
احتضنت المديرية العامة لشركة SAA، صباح الغد، فعاليات الندوة الشهرية لمؤسسة “صناعة الغد”، التي جاءت تحت عنوان محوري: “الازدحام المروري في الجزائر: من الأزمة اليومية إلى الحلول المستدامة”، بحضور نخبة من الخبراء والأكاديميين وصناع القرار، وعلى رأسهم رئيس الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق.
الافتتاحية: أزمة تنتظر حلولاً جذرية
افتتحت الجلسة بكلمة سلطت الضوء على حجم الكارثة الصامتة التي تعيشها المدن الجزائرية يومياً، مشيراً إلى أن 82,486 حادث مرور سُجلت سنة 2025 وحدها، أسفرت عن 2,066 حالة وفاة و 89,888 جريحاً، مع أكثر من مليوني تدخل للحماية المدنية.
“هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل أرواح فقدتها عائلات جزائرية، وشباب دفعوا ثمن غياب استراتيجية وطنية لتنظيم حركة المرور”
تحت رعاية المديرية العامة لشرك SAA
التشخيص العلمي: أسباب الازدحام الجذرية
استعرض المشاركون في الندوة تقريراً مفصلاً حول المسببات الجذرية للاختناق المروري في الجزائر، والتي تم تلخيصها في:
1. التوسع العمراني الفوضوي دون مراعاة للبنية التحتية الطرقية
2. الاعتماد المفرط على السيارة الخاصة مع غياب ثقافة النقل الجماعي
3. تعدد السيارات داخل العائلة الواحدة مع عدم مواكبة شبكات الطرق لهذا التزايد
4. فوضى واندماج مروري خانق في المداخل والمحاور الرئيسية
كما تم تقديم دراسة حالة مدينة تيزي وزو كنموذج تطبيقي، حيث أظهرت القياسات الميدانية أن محور الطريق الوطني رقم 12 يستقبل 52,700 مركبة يومياً بمستوى تشغيل بلغ 80%، وهو ما يعكس واقع العديد من المدن الجزائرية المتوسطة التي تعاني من نفس المشكل.
نموذج علمي مبتكر: الجاذبية الحضرية
قدّم الباحثون في الندوة نموذج الجاذبية (Modèle Gravitaire) المستوحى من قانون نيوتن للجاذبية، وتم تكييفه مع حركة المرور الحضرية، حيث تم تطبيقه بنجاح على شبكة طرق تيزي وزو.
أبرز النتائج التي كشفها النموذج:
· تحديد 9 نقاط سوداء رئيسية مصنفة حسب مستويات التشبع
· المفترق C1 (كريم بلقاسم / الطريق الوطني 12) يسجل أعلى نسبة تشبع بـ 97% و 3,760 مركبة/ساعة
· ثلاثي الازدحام (C1, C3, C4) يتركز فيه الجزء الأكبر من حركة المرور
· دقة النموذج بلغت 80% في توقع المناطق الحرجة
“ما يميز هذا النموذج هو قدرته على محاكاة أي تدخل قبل تنفيذه على الأرض، مما يوفر على الدولة ملايين الدنانير التي تُهدر في مشاريع لا تعالج سوى الأعراض”
العاصمة الجزائر: نفس المعضلة بحجم أكبر
تم تخصيص جلسة نقاشية لمناقشة واقع الازدحام المروري في الجزائر العاصمة، حيث تم التأكيد على أن نفس المنطق الذي طُبق في تيزي وزو ينطبق على العاصمة ولكن بعشرة أضعاف التعقيد.
أرقام صادمة عن العاصمة
المؤشر القيمة
عدد الأشخاص المنجذبين يومياً بين 1.5 و 2 مليون
نسبة الطرق غير المهيأة 74%
تطور النموذج متطابق مع تيزي وزو
تم استعراض خريطة الازدحام التي تظهر:
· المداخل الشرقية: محور برج الكيفان باتجاه الدار البيضاء وطريق المطار
· المداخل الغربية والوسطى: سركال، طريق بن عكنون، جسر سيدي بحي، حي 05 جويلية
· وسط المدينة والمحاور الساحلية: روبيصو، شبكة أول ماي، نفق 20 أوت
التوصيات الاستراتيجية: من النموذج إلى التطبيق
اختتمت الندوة بتقديم 4 توصيات استراتيجية عملية، تمت صياغتها بناءً على نتائج الدراسة الميدانية والنموذج العلمي:
التوصية الأولى: مشروع تجريبي في العاصمة 2026
اختيار بلديتين أو ثلاث ذات حركة مرورية كثيفة، وتطبيق بروتوكول الدراسة خلال 4 أشهر لإنتاج خريطة دقيقة للتدفقات وأولويات التدخل.
التوصية الثانية: إشراك الجامعات الجزائرية
تكوين فرق بحثية من أقسام هندسة الطرق والنقل، والاستفادة من طلبة الدكتوراه والماجستير في جمع البيانات وتحليلها.
التوصية الثالثة: تعميم الأداة في مخططات المرور
جعل مصفوفة المنشأ/الوجهة إلزامية في كل مخطط مروري جديد، مع اعتماد النموذج كأداة معيارية.
التوصية الرابعة: إنشاء المرصد الوطني للحركة المرورية
إجراء حملات قياس سنوية في أكبر 10 مدن جزائرية، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للتدفقات، لضمان عدم التدخل أبداً بشكل عشوائي.
التكلفة البشرية الشباب هم الضحية الأكبر
كشفت الإحصائيات المقدمة خلال الندوة أن فئة الشباب تتحمل العبء الأكبر من حوادث المرور والازدحام، حيث تم تسجيل:
· 3,722 حالة وفاة في صفوف الشباب خلال السنوات الأخيرة
· غياب ثقافة المرور والتنظيم يؤدي إلى خسائر بشرية فادحة في هذه الفئة الحيوية.
“التجارب الدولية تثبت أن التثقيف المروري ليس حدثاً عابراً، بل نظام مستدام. نحن بحاجة إلى تسخير الموارد المادية والبشرية، والمداومة على الاتصال الدائم، وتكامل الجهود بين الحكومة والجماعات المحلية والمجتمع المدني، لنصل إلى بيئة مرورية آمنة، خاصة لفئة الشباب الذين يمثلون مستقبل الجزائر”
الأدوات متوفرة، والكفاءات موجودة في جامعاتنا، والوقت ليس طويلاً 4 أشهر فقط لإنتاج نتائج ملموسة في أي مدينة جزائرية. ما ينقصنا هو القرار السياسي الجريء لتطبيق الحلول العلمية بدلاً من الحلول الانطباعية.”
اختُتمت الندوة بتأكيد مؤسسة “صناعة الغد” على التزامها بمواكبة الجهود الوطنية للحد من الازدحام المروري، عبر:
· متابعة تنفيذ التوصيات مع الجهات المعنية
· تنظيم ورشات عمل تكوينية للجماعات المحلية
· إصدار دليل تطبيقي لاستخدام نموذج الجاذبية في المدن الجزائرية




