
في إطار ندوة اليقظة المرورية التي نظمتها المؤسسة الجزائرية صناعة الغد يوم 28 مارس 2026، قدّم رئيس المؤسسة بشير مصيطفى محاضرة تحليلية معمقة تناول فيها إشكالية الازدحام المروري في الجزائر من منظور استراتيجي يمتد إلى آفاق سنة 2050، واضعًا تشخيصًا علميًا دقيقًا للأزمة، ومقترحًا حزمة من الحلول العملية القابلة للتطبيق على المديين القريب والمتوسط.
قراءة استشرافية لمشكلة الازدحام المروري
استهل رئيس المؤسسة مداخلته بتحديد ماهية مشكلة الازدحام المروري في الجزائر، معتبرًا أنها لم تعد مجرد إشكال تقني مرتبط بحركة السير، بل تحولت إلى أزمة هيكلية ذات أبعاد صحية واقتصادية واجتماعية عميقة. وأوضح أن الازدحام المروري يؤثر بشكل مباشر على الصحة العمومية من خلال ارتفاع مستويات التوتر والأمراض المزمنة، كما ينعكس سلبًا على الناتج الداخلي الخام وإنتاجية العمل نتيجة ضياع الوقت وتراجع كفاءة التنقل.
اليقظة المرورية وآفاق 2050
كما أشار إلى أن الأزمة تمس ميزانية الدولة والضمان الاجتماعي بسبب ارتفاع تكاليف العلاج والتعويضات، إضافة إلى تأثيرها على العلاقات الاجتماعية وجودة الحياة اليومية، فضلًا عن تعطيل انسيابية النقل وتراجع تنافسية وسائل التنقل، وهو ما يضع الجزائر أمام تحدٍ استراتيجي يستوجب رؤية بعيدة المدى.
معطيات رقمية تكشف حجم التحدي
وعرض المتدخل جملة من المعطيات الإحصائية التي تعكس تطور الازدحام المروري، من بينها نسبة نمو عدد المركبات مقارنة بعدد السكان في الجزائر والعالم، ومعدل المركبات لكل ألف نسمة، إضافة إلى توزيع وسائل النقل بين مختلف الأنماط، وتوزع المركبات والازدحام عبر الولايات.
كما توقف عند التدفق اليومي الكبير للسيارات في العاصمة، والتوزيع غير المتوازن للسكان بين الشمال والجنوب والهضاب، معتبرًا أن هذا الاختلال في التوزيع العمراني يعد من أبرز أسباب تفاقم الأزمة المرورية.
تحليل معمق لتداعيات الأزمة
وفي المحور الثالث، قدم بشير مصيطفى تحليلًا شاملاً للمعطيات المطروحة، مبرزًا تأثير الازدحام على المدن وخدمات النقل وجودة الحياة، وعلى التطور الحضري والاقتصادي في أفق 2050. وأكد أن المشكلة لا تتعلق فقط بحركة السيارات، بل ترتبط بنمط المدينة الجزائرية، وتوزيع السكان، وضعف النقل الجماعي، وارتفاع التكلفة المالية للازدحام، إضافة إلى انعكاساته على الصحة العامة وانتشار الأمراض المزمنة.
اليقظة المرورية وآفاق 2050
وأوضح أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل استراتيجي سيؤدي إلى ارتفاع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، ما يستدعي اعتماد مقاربة متعددة القطاعات تقوم على التخطيط الذكي والحوكمة المرورية.
حلول عملية متعددة المراحل
وفي سياق تقديم الحلول، طرح رئيس المؤسسة رؤية متكاملة تقوم على مرحلتين أساسيتين، تبدأ بحلول قصيرة المدى تهدف إلى تخفيف الضغط المروري بشكل تدريجي، من خلال تحرير تدريجي لأسعار الوقود مع منح تعويضية للفئات المستحقة، وتشجيع النقل الجماعي عبر سياسة تنافسية، إلى جانب إنجاز دراسات المدن الذكية وتطبيقات المرور الرقمي.
كما اقترح إنشاء خلية يقظة مرورية متعددة القطاعات، وإنجاز دراسات لتوزيع السكان بشكل متوازن عبر الإقليم، وتوجيه النقل نحو بدائل حديثة مثل الدراجات والنقل البحري والتطبيقات الذكية، إضافة إلى تقسيم يوم العمل إلى ثلاث فترات وإعادة توزيع الإدارات خارج العاصمة، وفرض النقل الجماعي لعمال المؤسسات.
أما على المدى المتوسط، فقد دعا إلى إنشاء عواصم متخصصة وتحرير كلي لأسعار الوقود مع تعويض المتضررين، ودعم النقل الجماعي، وتوسيع شبكات الترامواي والمترو والقطار، وإطلاق النقل البحري على طول الساحل، إلى جانب اعتماد منظومة مرور مبنية على الذكاء الاصطناعي والحلول الذكية.
نحو رؤية وطنية للمرور الذكي
وخلصت المحاضرة إلى أن معالجة الازدحام المروري في الجزائر تتطلب رؤية وطنية شاملة تقوم على التخطيط الاستراتيجي والابتكار التكنولوجي وإعادة تنظيم المجال العمراني، بما يضمن تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وجودة الحياة.
وأكد بشير مصيطفى أن المستقبل المروري في الجزائر مرتبط بقدرتها على التحول نحو النقل الذكي والمدن المستدامة، وهو ما يجعل من اليقظة المرورية أداة استراتيجية لحماية الاقتصاد وتحسين حياة المواطن، وتهيئة البلاد لآفاق 2050 برؤية علمية متكاملة.
أنيسة براهنة



