
حين تتحول الآفات الصامتة إلى تهديد حقيقي ينهك الأسرة والمجتمع ومستقبل الأجيال
تُستعمل بعض المواد المخدِّرة، مثل المورفين والمؤثرات العقلية، في المجال الطبي لتخفيف آلام المرضى ومعالجة حالاتهم الحرجة، غير أن الإنسان حوّل هذه المواد المشروعة إلى وسائل للاستعمال غير القانوني، فصارت مصدرًا للربح السريع والتجارة المدمرة، بعدما كانت أدوية تُستخدم لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة.
لقد أصبحت المخدرات تجارة مربحة تدفع الكثيرين إلى السعي وراء الثراء السهل دون أدنى اعتبار لما تُخلّفه من خراب داخل المجتمع، خاصة في أوساط الشباب الذين يشكلون عماد الأمة ومستقبلها.
فالمتاجر بهذه السموم يدرك جيدًا خطورتها، ويعلم أن إنتاجها وبيعها واستهلاكها أفعال يجرمها القانون ويعاقب عليها بشدة، ومع ذلك يستمر في هذا المسار المدمر.
ومع اتساع حجم الكارثة، لم تعد المخدرات مجرد وسيلة للإثراء غير المشروع، بل تحولت في بعض الأحيان إلى أداة تستهدف إضعاف المجتمعات وزعزعة استقرار الدول، عبر نشر الانحراف وتحطيم البنية الأخلاقية والاجتماعية للأمم.
لقد غدت المخدرات من أخطر الآفات الاجتماعية التي تثقل كاهل الأسر والدولة معًا، فهي لا تُدمّر الفرد فقط، بل تمتد آثارها إلى كل الفئات السليمة داخل المجتمع، مما يجعل مواجهتها أمرًا بالغ الصعوبة والتعقيد.
ورغم الجهود التي تبذلها الدولة من خلال إنشاء مراكز إزالة الإدمان والتكفل بالمدمنين، فإن حجم الظاهرة أصبح أكبر من قدرة هذه المراكز على الاستجابة للطلب المتزايد، بسبب الانتشار الواسع للاستهلاك.
وفي أغلب الأحيان، يعيش الآباء مأساتهم في صمت وعجز، معتبرين أن أبناءهم ضاعوا بسبب فشلهم في التربية والتوجيه. ويشعر الكثير منهم بالخجل الاجتماعي، لأن المدمن غالبًا ما يُنظر إليه كوصمة عار داخل الأسرة.
أما المدمن نفسه، فإنه يغرق في حالة من الغياب عن الوعي، غير مدرك للأذى الذي يلحقه بنفسه وبمن حوله، لتقف الأسرة والمجتمع والأطباء عاجزين أمام هذا الانهيار التدريجي.
ولم يكد المجتمع يواجه خطر المخدرات، حتى ظهرت آفة أخرى تتسلل بهدوء تحت غطاء التعود والقبول الاجتماعي، وهي الإدمان المفرط على الهواتف الذكية.
فمن خلال الاستخدام العشوائي والمفرط للهواتف، ظهرت أنواع جديدة من الإدمان، خاصة على الألعاب الإلكترونية والرسوم المتحركة، وهي سلوكيات أصبحت تُثير قلق المختصين في الطب النفسي وعلم النفس والتربية.
وقد أثبتت الدراسات التأثيرات السلبية للضوء الأزرق على البصر، كما أن الإفراط في استعمال الهواتف يؤدي إلى اضطرابات النوم، وضعف التركيز في الدراسة والعمل، إضافة إلى مشاكل سلوكية ونفسية متزايدة.
وتتحمل الأسرة جانبًا مهمًا من المسؤولية، حين تمنح الهواتف للأطفال بهدف تسليتهم أو إشغالهم، دون إدراك أنها قد تكون بصدد صناعة جيل يعاني من التشتت والانطواء والضعف النفسي.
إن النوم المضطرب، وتراجع القدرة البصرية، والتسامح غير الواعي من الأسرة والمحيط الاجتماعي، كلها عوامل قد تؤدي إلى نتائج خطيرة على مستقبل المجتمع والأمة.
ولمواجهة هذه الآفات، يصبح من الضروري تكثيف خلايا الاستماع داخل الأحياء، لأن الإصغاء للمشكلات قد يصنع المعجزات أحيانًا. كما ينبغي تعزيز دور المكتبات، والأخصائيين النفسيين، والمؤسسات التربوية، إلى جانب تشجيع الرياضة وتوسيع ممارستها بين الشباب.
غير أن المجتمع بدوره أخفق في أداء رسالته التربوية، ويتجلى ذلك في مظاهر عديدة، أبرزها تخلّي الناس عن التضامن مع الأسر المتضررة، وتركها تواجه مأساتها وحيدة.
كما أن ثقافة الشك والخوف تمنع الكثيرين من طلب المساعدة، إذ يفضّل البعض المعاناة في صمت على أن يصبحوا محل أحاديث الناس أو موضع شبهة.
وهكذا تتكرس قناعة خطيرة مفادها أن:
«الريبة هي إملاء الخوف».
الخوف من الدولة،
والخوف من الأب،
والخوف من الجار،
والخوف من المجهول…
لكن نادرًا ما يكون هناك خوف حقيقي من الله.
إن هذه المخاوف تعكس تراجعًا في القيم الثقافية والدينية، وهي نتيجة مباشرة لتغليب الأنانية والمصلحة الفردية على روح التضامن والمسؤولية الجماعية.
ولهذا تفرض الحكمة نفسها بقولها:
«حين تضيق الرؤية، لا يستطيع العقل أن يذهب بعيدًا».
وإذا استمر المجتمع في الصمت واللامبالاة تجاه ما يحدث حوله، فإن العواقب قد تكون شديدة الخطورة على حاضر الأمة ومستقبلها.
بقلم : حميد بلحبيب
ترجمة : أنيسة براهنة




