آخر الأخبارأوراق حضاريةالرئيسيةوطنيا
أخر الأخبار

مدرسة بسوسطارة صنعت رجالًا

Spread the love

مدرسة الإخوة الزبير بسوسطارة… صرح تربوي أنجب الشهداء وتحول إلى شاهد على جرائم الاستعمار

تُعد مدرسة صاروي، المعروفة حاليًا باسم مدرسة الإخوة الزبير بحي سوسطارة العريق في قلب العاصمة الجزائرية، من أبرز الصروح التربوية الوطنية التي ظلّت غائبة عن ذاكرة الكثير من الجزائريين، رغم دورها التاريخي العميق في تشكيل الوعي الوطني وصناعة جيل من القادة والشهداء الذين صنعوا مجد الثورة الجزائرية.
تأسست مدرسة صاروي سنة 1887 على يد الأستاذ والمربي الجزائري الفذ إبراهيم فاتح (1850–1928)، في فترة كان فيها الاستعمار الفرنسي يسعى إلى طمس الهوية الوطنية ومحاصرة تعليم الأهالي. غير أنّ هذه المدرسة شكّلت استثناءً لافتًا، حيث اعتمدت، بأغلبية ساحقة، على تعليم الجزائريين، إلى درجة أن الاستعمار اضطر، تحت ضغط الواقع، إلى قبول تخصيص ساعة لتعليم القرآن الكريم داخلها، في سابقة نادرة تعكس قوة المشروع التربوي الوطني الذي حمله مؤسسها.
تقع المدرسة بشارع الشهيد عبد الرحمن أو سعدي (مونتبونسيي سابقًا)، بحي سوسطارة، ويُقال إنّها شهدت تخرّج أكثر من 150 شهيدًا، إلى جانب رموز وطنية بارزة في تاريخ الثورة الجزائرية، على رأسهم القائدان التاريخيان كريم بلقاسم وعبان رمضان. كما أنجبت المدرسة كوكبة من الشهداء والمناضلين، من بينهم عيسات إيدير، وطالب عبد الرحمن، وعدد من شهداء القصبة كالإخوة لخضاري، وبرزاون، وياسف (مقران وعمر الصغير)، إضافة إلى مصطفى جواب، وسعيد عمارة، وبودرياس محمد، وبوعلام بوشلاغم، ولوشال محمود، وغيرهم من الأسماء التي خلدها تاريخ الكفاح الوطني.

غير أنّ هذا الصرح التربوي لم يسلم من همجية الاستعمار، إذ حوّلته القوات الاستعمارية، سنة 1957، بقيادة الجلاد بول أوساريس، إلى مركز للاستنطاق والتعذيب، في واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت الإنسان والذاكرة معًا. وقد شهدت المدرسة عمليات تعذيب واغتيال طالت عددًا كبيرًا من المواطنين، وكانت من أبرز ضحاياها الشهيدة وريدة مداد، التي تعرضت لأشد صنوف التعذيب والتنكيل، قبل أن يُقدم العسكر، بقيادة المدعو موريس، على إلقائها من نافذة الطابق الثاني، وتركها تنزف ببطء إلى أن ارتقت شهيدة مساء 29 أوت 1957، في محاولة يائسة لإيهام الرأي العام بأنها أقدمت على الانتحار.
وتبقى مدرسة صاروي، اليوم، شاهدًا صامتًا على تلاحم التعليم بالنضال، وعلى وحشية الاستعمار في مواجهة مشروع وطني جمع بين القلم والبندقية، لتظل هذه المدرسة رمزًا لذاكرة لا تموت، ورسالة للأجيال بأنّ الوطن صُنع في الأقسام كما صُنع في ساحات المعركة.
رحم الله شهداء الجزائر الأبرار، وجعل ذاكرتهم أمانة لا تسقط بالتقادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى