
خبراء وأساتذة وممثلو المجتمع المدني يناقشون عوامل الخطر، اليقظة الصحية، وأهمية الصوم في خدمة الصحة
في إطار إحياء فعاليات اليوم الوطني للصحة العمومية، احتضن المعهد الوطني للصحة العمومية، تحت إشراف مديره البروفيسور بوعمرة عبد الرزاق، تظاهرة علمية كبرى نظمت بالشراكة مع مؤسسة بشير مصيطفى. البرنامج الثري جمع نخبة من الأساتذة والأطباء المختصين والخبراء والمسؤولين في قطاع الصحة، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني، وفي مقدمتهم الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق، بهدف تعزيز ثقافة الوقاية وترسيخ مبادئ اليقظة الصحية في المجتمع، في لقاء حمل أبعادًا علمية وإنسانية وقانونية عميقة.
افتتاح مهيب… ورؤية استباقية لصحة المواطن
افتتحت التظاهرة باستقبال المشاركين في أجواء أكاديمية راقية، تلتها تلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم وأداء النشيد الوطني، قبل أن تُلقى كلمات ترحيبية أكدت في مجملها على أهمية الصحة العمومية كركيزة أساسية للتنمية المستدامة وضمان الأمن الصحي الوطني.
وشدد المتدخلون في كلماتهم الافتتاحية على ضرورة تكامل الجهود بين المؤسسات الصحية والجامعية والمجتمع المدني لمواجهة التحديات الصحية الراهنة، معتبرين أن “الوقاية خير من العلاج” ليست مجرد شعار، بل منهج علمي متكامل يجب أن يوجه السياسات الصحية العمومية.
محاضرات علمية: من عوامل الخطر إلى اليقظة الصحية
تضمن البرنامج سلسلة من المحاضرات العلمية المتخصصة التي شكلت قلب الفعالية. استُهلت الجلسات بمحاضرة معمقة حول “عوامل الخطر في الصحة”، تم خلالها تسليط الضوء على أبرز التحديات الوبائية المرتبطة بالأمراض المزمنة وأنماط الحياة غير الصحية. وأجمع الأساتذة على أن الوقاية والتوعية تمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المخاطر.
وتناولت محاضرة ثانية موضوع “اليقظة الصحية في الجزائر”، حيث تم استعراض أنظمة الرصد المبكر ودورها المحوري في كشف التهديدات الصحية والتعامل معها بفعالية، خاصة في ظل التحولات الوبائية العالمية. وكشف الخبراء عن آليات التنسيق بين مختلف الهياكل الصحية لضمان استجابة سريعة وناجعة لأي طارئ صحي.
الصوم في خدمة الصحة… مقاربة طبية واجتماعية
وفي سياق متصل بشهر رمضان المبارك، خُصص جزء مهم من البرنامج لموضوع “الصوم في خدمة الصحة”، حيث استعرض المتدخلون فوائده الصحية وفق مقاربات طبية حديثة، مؤكدين على آثاره الإيجابية في تحسين التمثيل الغذائي وتعزيز الصحة النفسية. إلى جانب ذلك، تم التنبيه إلى ضرورة استشارة الطبيب المعالج في الحالات المرضية الخاصة، لاسيما بالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة، لضمان صيام آمن ومفيد.
ظاهرة العنف: قراءة علمية في الأرقام والتحديات
في واحدة من أكثر الجلسات إثارة للنقاش، قدم المختصون قراءة علمية دقيقة لظاهرة العنف في المجتمع، مستندين إلى دراسات ميدانية حديثة. وكشفت الأرقام أن:
· الرجال يمثلون النسبة الأكبر من الضحايا (65%) والجناة (72%).
· النساء يشكلن 34% من الضحايا، غالبًا في إطار العنف الأسري والزوجي.
· الأطفال أقل من 18 سنة يمثلون 20.5% من الضحايا، مع تسجيل 11 حالة عنف في الوسط المدرسي، وهو مؤشر خطير يستدعي تدخلًا عاجلاً.
· الطريق العام تتصدر مشاهد العنف بنسبة 43%، يليها المنزل (25%).
· أكثر من نصف حالات العنف تنشأ عن خلاف بسيط، مما يعكس أزمة في إدارة الغضب والتوتر.
وأكد الخبراء أن فترة ما بعد الظهيرة خلال رمضان تشهد ذروة هذه السلوكات الاندفاعية، بسبب الإرهاق البدني والنفسي المرتبط بساعات الصيام الطويلة.
الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق: العنف خلف المقود.. قنبلة موقوتة
في مداخلة مثلت الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق السيد غالي خالد في هذه التظاهرة العلمية، حيث قدم ممثلها قراءة معمقة لظاهرة العنف المروري، الذي يتصاعد بشكل لافت خلال شهر رمضان. كما أكد في كلمته أن:
“الطريق العام ليس مجرد فضاء للعبور، بل هو مرآة حقيقية للسلوك المجتمعي. خلال شهر رمضان، نلاحظ تحولاً خطيرًا في السلوكيات خلف المقود، حيث تتحول الخلافات المرورية البسيطة إلى مشاجرات عنيفة تستخدم فيها أدوات حادة وأحيانًا أسلحة بيضاء.”
وأضاف ممثل الجمعية أن الإحصائيات التي بحوزتهم تشير إلى:
· ارتفاع ملحوظ في حالات العنف المسلط على سائقي سيارات الأجرة وسائقي النقل العمومي خلال أيام رمضان.
· تزايد حالات الاعتداء على أعوان الشرطة والدرك أثناء تنظيمهم لحركة المرور، خاصة في أوقات الذروة قبيل الإفطار.
· علاقة طردية بين الإرهاق الناتج عن الصيام وارتفاع منسوب العصبية، مما يؤدي إلى سلوكات مرورية خطيرة.
ودعا ممثل الجمعية إلى:
1. تعزيز التواجد الأمني في النقاط السوداء المعروفة بكثرة الازدحام خلال رمضان.
2. إطلاق حملات تحسيسية مشتركة بين قطاعي الصحة والنقل، تركز على إدارة الغضب وأهمية التحلي بروح التسامح خلف المقود.
3. إدراج التربية المرورية ضمن برامج التوعية الصحية، خاصة في أوساط الشباب والمراهقين.
واختتم مداخلته بالتأكيد على أن “الوقاية من العنف المروري هي مسؤولية مجتمعية متكاملة، تبدأ من البيت والمدرسة، وتمتد إلى الطريق ومؤسسات الدولة.”
المسار الطبي القضائي: بين القانون وحقوق الضحايا
ناقش المشاركون أيضًا الإشكالات المرتبطة بالمسار الطبي القضائي (Le circuit médico-judiciaire) للتكفل بضحايا العنف، بدءًا من استقبالهم في هياكل الصحة الجوارية ومصالح الاستعجالات، مرورًا بالطب الشرعي، وصولاً إلى العدالة. وأشار المتدخلون إلى ضعف الهياكل الصحية المتخصصة في هذا المجال، وضرورة تطوير وحدات طبية قضائية تكون جسرًا فعالاً بين التشخيص الطبي والبت القضائي.
من الناحية القانونية، تم استعراض التطورات التشريعية في القانون الجزائري، بما فيها قانون العقوبات والقانون 15-12 المتعلق بحماية الطفل، مع التأكيد على أهمية مواءمة هذه النصوص مع احتياجات الضحايا ومتطلبات العدالة.
الصحة للجميع: برامج وطنية لحماية الفئات الهشة
وفي سياق استعراض السياسات الصحية الوطنية، تم التطرق إلى البرامج الكبرى التي تشرف عليها وزارة الصحة، بالتكامل مع القطاعات الأخرى، والتي تشمل:
· حماية صحة الأم والطفل كأولوية وطنية.
· الصحة النفسية كرافعة أساسية للوقاية من السلوكات الاندفاعية وإعادة تأهيل الضحايا والجناة.
· الصحة في الوسط المدرسي والجامعي لمكافحة العنف بين المراهقين.
· الصحة في الوسط المهني والسجني لضمان حقوق الفئات الهشة.
· حماية الأشخاص في وضع صعب كذوي الدخل المحدود وضحايا الكوارث والنساء في وضع نفسي صعب، حيث ألزم القانون الهياكل العمومية والخاصة بتقديم رعاية مجانية لهذه الفئات.
توصيات علمية وتكريم للقامات
واختتمت الفعالية بإعلان جملة من التوصيات العملية، على رأسها:
1. تقديم جدول أعمال سنة 2026 لليقظة الصحية، في خطوة تعكس الإرادة المؤسساتية لتطوير المنظومة الصحية وفق رؤية استباقية.
2. تنصيب لجان وطنية متخصصة لمتابعة تنفيذ السياسات الصحية والوقائية.
3. تطوير هياكل استقبال الضحايا بشكل يحترم كرامتهم الإنسانية ويوفر لهم الدعم النفسي والقانوني اللازم.
4. إطلاق حملات تحسيسية كبرى قبيل رمضان، بالشراكة بين وزارة الصحة والجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق، تركز على إدارة الخلاف والتحكم في الغضب وتعزيز ثقافة الحوار، سواء في الطريق أو في المنزل أو في الأماكن العامة.
5. إدراج التوعية المرورية ضمن البرامج الصحية المدرسية، لتعزيز ثقافة الوقاية منذ سن مبكرة.
وفي لفتة تقديرية، جرى تكريم عدد من الشخصيات العلمية والأساتذة الباحثين، اعترافًا بإسهاماتهم القيمة في خدمة الصحة العمومية والبحث العلمي في الجزائر، كما تم تكريم ممثل الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق تقديرًا لدور المجتمع المدني في دعم الجهود الوطنية للوقاية.
منظومة صحية أكثر نجاعة بشراكة مجتمعية فاعلة
عكست هذه التظاهرة العلمية التي احتضنها المعهد الوطني للصحة العمومية تحت إشراف البروفيسور بوعمرة عبد الرزاق وبالشراكة مع مؤسسة بشير مصيطفى، حرص الفاعلين في القطاع الصحي على ترسيخ ثقافة الوقاية والبحث العلمي، وتعزيز التنسيق بين مختلف الشركاء، من مؤسسات حكومية وهيئات أكاديمية ومنظمات مجتمع مدني. وهي خطوة نوعية على طريق بناء منظومة صحية أكثر نجاعة، قادرة على استشراف المخاطر واستباق الأزمات، وأكثر استجابة لتطلعات المواطنين في صحة آمنة ومستدامة، وفي مجتمع يسوده الأمن والطمأنينة، على الطريق وفي كل فضاءات العيش.




