
الجزائر: شراكة استراتيجية بين المعهد الوطني للصحة العامة والجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق لمواجهة مجازر العيد
في خطوة نوعية تعكس تحولاً في التعاطي مع ظاهرة حوادث المرور كأزمة صحية عمومية بامتياز، وقّع المعهد الوطني للصحة العمومية والجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرقات اتفاقية تعاون استراتيجية تهدف إلى دراسة وتحليل وتوعية الرأي العام بمخاطر الطريق، خاصة في فترات الأعياد التي تتحول فيها الفرحة إلى مآسٍ وطنية. الاتفاقية التي توجت بيوم إعلامي وتحسيسي يوم 17 مارس الجاري، تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بأن المعركة ضد الموت على الطرق لم تعد أمنية بحتة، بل هي معركة وبائية وإحصائية ونفسية بامتياز.
قراءة في التوقيت: لماذا العيد؟
اختيار توقيت التوقيع عشية عيد الفطر لم يكن اعتباطياً، بل هو استجابة علمية لقراءة معمقة للواقع المروري الجزائري. فالأرقام التي كشف عنها المعهد الوطني للصحة العامة تؤكد أن الجزائر تسجل 18.3 وفاة لكل 100 ألف نسمة، وهو معدل يفوق المعدل العالمي (15 وفاة)، ويضع الجزائر في مرتبة متأخرة ضمن سلم الدول الأكثر أماناً على الطرقات.
ما يثير القلق أكثر، هو الطبيعة “الاحتفالية” للمجزرة المرورية. فالأعياد الدينية والعطل الصيفية في الجزائر لا تمثل فقط فترات ذروة في حركة السير، بل هي “موسم موت” بامتياز. تشير الدراسات إلى أن 32% من الحوادث تُسجل خلال شهري يوليو وأغسطس، وأن شهر رمضان هو الأكثر دموية في السنة، حيث ترتفع نسبة الحوادث بنسبة تتراوح بين 12 و15% مقارنة بباقي الأشهر. أما أيام العيد، فتشكل صدمة إحصائية حقيقية، حيث يزداد خطر الموت لدى المشاة pedestrians بنسبة 2.17 مرة مقارنة بالأيام العادية.
المعهد الوطني للصحة العامة: من تسجيل الوفيات إلى فهم أسبابها
دور المعهد الوطني للصحة العامة في هذه الشراكة يتجاوز بكثير دوره التقليدي كمرصد إحصائي. فالمتدخلون في اليوم الدراسي كشفوا عن تحول منهجي في التعامل مع الظاهرة، بالانتقال من “الوصف الكمي” إلى “التحليل الزمني والنفسي”.
فالمعهد لم يعد يكتفي بتسجيل أن 45 حادثاً جسدياً يحدث يومياً في الجزائر، بل يحاول الإجابة عن سؤال أكثر إيلاماً: لماذا تحدث هذه الحوادث في ساعات محددة؟ وكيف تؤثر تغيرات نمط الحياة خلال رمضان والعيد على تركيز السائقين؟
الدراسات التي قدمها باحثو المعهد كشفت أن هناك “بروفايل زمني” واضح للموت على الطرق: ذروة مسائية بين السادسة والثامنة مساءً، وأيام الخميس والجمعة والعطل الطويلة هي الأكثر تسجيلاً للحوادث المميتة. هذا التحليل “الوبائي” للحوادث يسمح بإعادة توزيع موارد التدخل بشكل أكثر فعالية، ويحول رجل الأمن من شرطي مرور إلى خبير في إدارة الزمن القاتل.
الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرقات: صوت المجتمع المدني بالبيانات
العيد ومجازر الطرقات بالجزائر
في المقابل، تحضر الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرقات بثقلها الميداني والتوعوي. فالجمعية لا تكتفي بإطلاق شعارات “الوصول متأخراً خير من عدم الوصول أبداً”، بل تقدم رؤية مختلفة قوامها أن “الاحتفال” بحد ذاته أصبح عامل خطر.
فخلال أيام العيد، يتضاعف حجم التدفق المروري ليصل إلى 200 ألف مسافر يومياً على المستوى الوطني. هذا التدفق الهائل يصاحبه “إفراط من كل نوع”: إفراط في السرعة، إفراط في التهور، إفراط في استعمال الهاتف، وإفراط في الضغط النفسي للوصول في الوقت المناسب للاحتفال مع الأهل.
الجمعية، من خلال شراكتها مع المعهد، تسعى إلى تحويل هذه الملاحظات الميدانية إلى “رسائل إنذار مبكر” تستند إلى بيانات دقيقة، وليس إلى مجرد نصائح عابرة. فحملات التوعية لم تعد تقوم على التخويف فقط، بل على شرح “الفيزيولوجيا” المرورية: لماذا يشكل الإرهاق ما بعد رمضان (قلة النوم، الاستيقاظ المبكر) خطراً يعادل خطر السياقة في حالة سُكر؟
تحليل المتدخلين: خريطة طريق لإنقاذ الأرواح
العيد ومجازر الطرقات بالجزائر
اللقاء العلمي الذي جمع بين الهيئتين كشف عن نسيج مؤسسي متكامل لمواجهة الظاهرة، حيث لم يعد الملف حكراً على قطاع دون آخر. المتدخلون في هذه المعادلة الجديدة يمكن تصنيفهم كالتالي:
القطاع الصحي (الخط الأمامي): من خلال تدخلات أطباء مختصين في جراحة العظام والاستعجالات، تم التركيز على أن المستشفيات هي آخر محطة في هذه المأساة. التركيز على “جودة التصريح بالوفيات” من قبل المعهد يهدف إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة تعكس الواقع الحقيقي للمجزرة المرورية، بعيداً عن التقديرات المنقوصة.

قطاع الأمن (الردع والرقمنة): حضور كل من الشرطة والدرك الوطني لم يكن شكلياً. فقد كشفوا عن حصيلة مرعبة: 35 قتيلاً في أسبوع واحد خلال موسم الاصطياف، و3 قتلى و88 جريحاً في 3 أيام فقط خلال عيد الفطر. حيث ركزت تدخلاتهم على أن الرقمنة (تطبيق “ألو شرطة”) أصبحت سلاحاً جديداً في التبليغ الفوري عن الخطر، لكنها تبقى غير كافية ما لم يتغير السلوك البشري، المسؤول عن 97.91% من الحوادث.
قطاع التكوين والبحث العلمي (الحلول المستدامة)
إجمع المتدخلين أن مدارس تعليم السياقة لم تعد تؤدي دورها في “تكوين سائق أخلاقي”، بل أصبحت مجرد مصانع لإنتاج حاملي رخص سياقة. المقترحات شددت على إدخال تقنيات المحاكاة في التكوين، ورفع السن القانونية لسياقة النقل المشترك، وتفعيل دور شركات التأمين في التسعير وفقاً لمخاطر السائق.

القطاع الوقائي: ممثلو الجمعية الوطنية للأمن عبر الطرق وعلى رأسهم السيد غالي والدكتورة فاطمة كبور، ركزوا على البعد التواصلي والتحسيسي، خاصة مع الفئات الأكثر عرضة للخطر. فالفئة العمرية بين 11 و27 سنة (الشباب) تمثل 29% من الضحايا، وهم الأكثر عرضة للتهور والمناورات الخطيرة.
الطريق ليس ساحة حرب، بل امتحان أخلاق
الاتفاقية بين المعهد الوطني للصحة العمومية والجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرقات هي أكثر من مجرد بروتوكول تعاون. إنها اعتراف بأن الجزائر تواجه “وباءً زمنياً” يفتك بأبنائها في لحظات فرحهم.

الوقت ليس مجرد متغير في معادلة الحوادث، بل هو المحرك الرئيسي للمأساة. فـ”الصبر” الذي تنصح به اللافتات المرورية لم يعد مجرد فضيلة أخلاقية، بل أصبح ضرورة إحصائية. فخلال أيام العيد، كما تقول الحكمة المرورية المتداولة: “الوصول متأخراً خير من عدم الوصول أبداً”.

يبقى السؤال: هل ستنجح هذه الشراكة الجديدة في تحويل هذه الحكمة إلى سلوك جماعي يوقف نزيف الطرقات، أم ستبقى الأرقام المرتفعة شاهدة على فشلنا الجماعي في حماية فرحة العيد من رصاص الطريق؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
د. أنيسة براهنة




