آخر الأخبارالرئيسيةمجتمعوطنيايحدث اليوم
أخر الأخبار

وزيرنا.. أنقذ بحثنا من البيروقراطية

عبارة "خارج التخصص" تحول مسارات الأساتذة إلى أوراق ممزقة

Spread the love

“السيد الوزير… “خارج التخصص” أصبح عائقاً أمام العلم.. أرجو أن تفتح عينيك على هذا الملف”

في لحظة تاريخية يتجه فيها العالم نحو إعادة تعريف المعرفة نفسها، وتجاوز الحواجز التقليدية بين الحقول العلمية، تعيش بعض مؤسساتنا الجامعية مفارقة عجيبة: تضييق مفهوم التخصص إلى حدٍّ يجعله قيدًا بيروقراطيًا بدل أن يكون إطارًا مرجعيًا ناظمًا للجودة. عبارة واحدة تُكتب في خانة الملاحظات – “خارج التخصص” – كفيلة بأن تمحو سنوات من البحث، وتحجب جهودًا علمية منشورة في مجلات محكّمة، بعضها معتمد ومرقمن في منصة ASJP، وبعضها الآخر صادر عن مجلات دولية محترمة.

المشكل لا يكمن في ضرورة احترام التخصص؛ فالتخصص ركيزة أساسية في البناء الأكاديمي. لكن الإشكال يظهر عندما يتحول التخصص إلى تعريف ضيق جامد، يُختزل في عنوان الدكتوراه، لا في المسار العلمي المتكامل، ولا في طبيعة القسم الذي ينتمي إليه الأستاذ، ولا في الوظيفة البيداغوجية التي يؤديها يوميًا.

وزيرنا.. أنقذ بحثنا من البيروقراطية

لنأخذ مثال أستاذ اللغة الإنجليزية المتخصص في الترجمة: يُدرّس في قسم اللغة الإنجليزية، يُلقي مداخلاته في ملتقيات وطنية ودولية باللغة الإنجليزية، ينشر مقالات في قضايا تحليل الخطاب أو تعليمية اللغة أو الدراسات الثقافية، وكلها ضمن الفضاء المعرفي العام للغة الإنجليزية. عند دراسة ملف التأهيل، يُقبل تدريسه، ويُقبل انتماؤه إلى مخبر بحث، لكن تُرفض مقالاته ومداخلاته بدعوى أنها “خارج تخصص الترجمة”. هنا يتجلى التناقض بوضوح: إذا كان يُسمح له بالتدريس في هذا المجال، فكيف يُمنع من البحث فيه؟ وإذا كانت الترجمة بطبيعتها علمًا تقاطعيًا يتداخل مع اللسانيات وتحليل الخطاب والدراسات الثقافية، فبأي منطق يُعزل عن هذه الحقول؟

المثال لا يقتصر على الترجمة. في كليات الإعلام والاتصال، قد نجد أستاذًا يحمل دكتوراه في الاتصال التنظيمي، ينشر في الإعلام الرقمي أو تحليل الخطاب الإعلامي أو الاتصال السياسي. هذه المجالات متداخلة معرفيًا، لكن قد يُفاجأ برفض أعماله بدعوى أنها “خارج التخصص الدقيق”. وفي كليات الحقوق، قد يُرفض بحث في القانون الرقمي لأن الدكتوراه في القانون الإداري، رغم أن التحولات الرقمية أعادت تشكيل مفاهيم السلطة والإدارة نفسها. وفي علم الاجتماع، قد يُعتبر بحث في الإعلام الجديد بعيدًا عن “التخصص الأصلي”، رغم أن السوسيولوجيا المعاصرة تعالج تحولات الفضاء العام الرقمي بوصفه ظاهرة اجتماعية بامتياز.

وزيرنا.. أنقذ بحثنا من البيروقراطية

ولعل ما يفاقم هذه المشكلة هو حالة “الجمود التصنيفي” التي تلاحق الأستاذ طوال مساره المهني. فبعض الأساتذة يفاجؤون بإعادة تصنيف تخصصهم من قبل الإدارة أو اللجان دون استشارتهم، ليُحشروا في قوالب ضيقة لا تعبر عن تطور اهتماماتهم. أستاذ القانون الجنائي الذي تُعاد تصنيفه ضمن “القانون الخاص” فقط، يجد أبحاثه الرائدة في الجرائم المعلوماتية تُرفض بحكم أنها “خارج التخصص” لأن الإدارة ضيقت تعريف مجاله. كما أن شرط الانتماء إلى مخابر بحث محددة بعناوين جامدة يخلق عراقيل إضافية؛ فالباحث العامل في مخبر متعدد التخصصات يُفاجأ أحيانًا بعدم اعتماد إنتاجه لأنه “لا يطابق تخصص المخبر” حرفيًا، رغم أن المخبر نفسه معترف به قانونيًا. الأكثر إيلامًا أن الأستاذ حين يُرفض ملفه بهذه الحجج، يجد نفسه أمام حكم شبه نهائي دون آليات واضحة للطعن أو الاستئناف العلمي، ليبقى مصيره رهين قراءة إدارية ضيقة.

الأغرب أن بعض الملفات تشهد تناقضًا صارخًا بين الخبراء أنفسهم: محكّم أول يمنح تقييمًا إيجابيًا ويعتبر المسار منسجمًا، ومحكّم ثانٍ يرفض الأعمال ذاتها رفضًا كليًا. هذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا في الرأي العلمي – وهو أمر طبيعي – بل يكشف أحيانًا غياب معايير وطنية دقيقة وموحدة لتعريف “الخروج عن التخصص”. فيتحول التقييم إلى مساحة تأويل فردي، ويصبح مصير الأستاذ رهين القراءة الشخصية للخبير.

الأمر الأكثر إشكالًا أن رفض مقالات منشورة في مجلات محكّمة يتضمن ضمنيًا التشكيك في لجان التحكيم التي أجازتها. فالمقال الذي اجتاز تحكيمًا علميًا مزدوجًا، وتحمّل مراجعات وتصحيحات، وحصل على قبول رسمي، يُختزل في لحظة إدارية واحدة إلى “غير ذي صلة”. أليس في ذلك مساسٌ غير مباشر بمنظومة التحكيم العلمي نفسها؟ وإذا كانت المجلة معترفًا بها ومرقمنة، فكيف يُلغى وزنها دون تعليل علمي مفصل؟ بل إن تجاهل منشورات دولية محكّمة في قواعد بيانات مرموقة مثل (Scopus) أو (Web of Science) لمجرد افتراض أنها “خارج التخصص” يمثل تشكيكًا غير مبرر في نزاهة النظام العلمي الدولي برمته.

هذا التضييق في مفهوم التخصص يبدو أكثر غرابة حين نقارنه بالتحولات العالمية. اليوم، تتقاطع اللسانيات مع علوم الحاسوب في معالجة اللغة الطبيعية، ويتداخل الإعلام مع تحليل البيانات الضخمة، وتندمج الفلسفة مع الذكاء الاصطناعي في نقاشات الأخلاقيات الرقمية. الجامعات الكبرى تشجع البحث البيني (Interdisciplinary Research)، وتعتبره مصدرًا للابتكار. أما حين نصرّ على قراءة التخصص قراءة حرفية مغلقة، فإننا لا نحمي الجودة، بل نحاصر الإبداع.

السيد الوزير،

إن الجامعة ليست مؤسسة لتصنيف الباحثين وفق عناوين جامدة، بل فضاء ديناميكي لإنتاج المعرفة. والأستاذ الجامعي ليس أسير عنوان أطروحته إلى الأبد؛ بل من المفترض أن يتطور مساره البحثي، ويتفاعل مع قضايا عصره، ويستجيب لتحولات مجاله. ولو طبقنا منطق الانغلاق حرفيًا، لكان كثير من التحولات الكبرى في الفكر العلمي مستحيلًا.

لذلك، فإن المطلوب منكم اليوم ليس إلغاء فكرة التخصص، بل إعادة تعريفها تعريفًا مرنًا منضبطًا. أن يُنظر إلى “المجال العام” (Field) بدل الاقتصار على “التخصص الدقيق” (Specialty). أن يُطلب من الخبير تعليل علمي مفصل عند رفض عمل بدعوى “خارج التخصص”. وأن يُعترف بأن التدريس والبحث ينبغي أن يكونا منسجمين، لا متناقضين في التقييم. كما نأمل من سيادتكم العمل على إنشاء لجان خبراء متعددة التخصصات قادرة على فهم التداخلات المعرفية، واعتماد معيار “مجال البحث” الفعلي بدل “تخصص الشهادة” المجمد للباحثين أصحاب الخبرة الطويلة.

إن عبارة “خارج التخصص” يجب أن تبقى أداة لحماية المعايير، لا وسيلة لإقصاء المسارات البحثية المتطورة. ففي زمن تتسارع فيه الثورات المعرفية، لا يمكن لجامعتنا أن تتقدم وهي تبني أسوارًا جديدة بين العلوم، بينما العالم يهدمها. أرجو أن تفتح عينيك على هذا الملف، وأن تتخذ القرارات الجريئة لتحرير البحث العلمي من قيود البيروقراطية الجامدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى