آخر الأخبارالرئيسيةثقافةدولياوطنيايحدث اليوم
أخر الأخبار

حين تتحول الكرة إلى سياسة

قراءة في طريق المغرب إلى النهائي وجدلية العدالة الغائبة

Spread the love

بقلم أنيسة براهنة

بين قرارات تحكيم مثيرة، صمت مؤسساتي، واستثمار سياسي في الفرح الجماعي… هل كانت كرة القدم بريئة مما جرى؟

لم يعد خافيًا على المتابعين أن كرة القدم الإفريقية تجاوزت منذ سنوات حدود المستطيل الأخضر، لتتحول في بعض السياقات إلى أداة سياسية ناعمة، تُستثمر لإنتاج الفرح، امتصاص الاحتقان، وإعادة توجيه الرأي العام. وفي هذا الإطار، يبرز المسار الذي قاد المنتخب المغربي إلى الأدوار النهائية في المنافسة القارية الأخيرة كحالة تستحق التوقف والتحليل، لا من باب الطعن في اللاعبين، بل من زاوية البيئة التي أُديرت فيها المباريات.

ففي الوقت الذي خرج فيه المنتخب الجزائري وسط احتجاجات واسعة على قرارات تحكيمية وُصفت بالمؤثرة، شقّ المنتخب المغربي طريقه بثبات نحو النهائي، وسط أجواء تنظيمية مثالية، وقرارات تحكيمية لم تُثر الجدل بنفس الحدة، ما فتح باب التساؤلات حول اختلال ميزان المعاملة داخل البطولة نفسها.

اللافت في المشهد لم يكن فقط ما جرى داخل الملعب، بل ما أحاط به خارجه. إذ تزامن التأهل المغربي مع تعبئة إعلامية داخلية غير مسبوقة، صُوّر فيها الإنجاز الرياضي كحدث وطني جامع، في ظرف سياسي-اجتماعي كان في أمسّ الحاجة إلى لحظة فرح كبرى تُعيد ترتيب المزاج العام. هنا، تتقاطع الرياضة مع السياسة، ويصبح السؤال مشروعًا:

هل كان المطلوب مجرد فوز رياضي، أم إنتاج صورة انتصار وطني بأبعاد تتجاوز اللعبة؟

تراكم المؤشرات – من صمت الكونفدرالية الإفريقية عن احتجاجات رسمية، إلى سرعة طيّ ملفات تحكيمية، إلى اختلاف سقف المحاسبة بين مباراة وأخرى – لا يسمح بالجزم بوجود “شراء مباشر”، لكنه يفتح المجال لتحليل أخطر: منظومة مصالح، حيث تصبح الاستضافة، التنظيم، النفوذ المؤسساتي، والوزن الدبلوماسي عناصر غير منفصلة عن النتيجة النهائية.

في المقابل، وُضعت الجزائر في موقع الطرف المحتج، لا لأن أداءها كان مثاليًا، بل لأن شعور الظلم التحكيمي تكرر، وتحوّل من حالة فردية إلى خطاب جماهيري وإعلامي واسع، ما يعكس أزمة ثقة متنامية في عدالة المنافسات القارية.

إن أخطر ما في هذه القصة ليس فوز منتخب أو خروج آخر، بل تكريس فكرة أن كرة القدم الإفريقية يمكن أن تُدار بمنطق “الاستفادة السياسية”، حيث تُصنع النهائيات أحيانًا خارج الملعب، وتُبرَّر داخلَه.

ختامًا، قد لا تملك الصحافة اليوم أدلة قاطعة على “شراء كل شيء”، لكنها تملك ما هو أخطر: سلسلة أسئلة بلا أجوبة، وصمتًا مؤسساتيًا، وفرحًا سياسيًا يبدو أكبر من مجرد كرة دخلت الشباك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى