
قراءة تحليلية مقارنة في تحولات الاقتصاد الجزائري بين الماضي والحاضر على ضوء قانون المالية 2026
لم يعد النقاش حول الاقتصاد في الجزائر مجرّد نقاش تقني مرتبط بالأرقام والمؤشرات، بل أصبح نقاشًا سياديًا بامتياز، يتصل بخيارات الدولة، وحدود استقلال قرارها، وقدرتها على حماية تماسكها الاجتماعي في عالم مضطرب. ومن هذا المنظور، يندرج قانون المالية 2026 ضمن مسار تحولي أوسع، يعبّر عن قناعة راسخة مفادها أن بناء الجزائر لا يتم إلا بالتوافق على المستقبل، باعتباره القاسم المشترك الوحيد بين مختلف الرؤى.
فالمال، ليس مجرد أداة حسابية، بل ركيزة لبناء الدول عندما يُحسن توظيفه. وهو ما فهمته القوى الكبرى، من الولايات المتحدة إلى الصين، حيث تحوّل المال إلى محرك للابتكار، الصناعة، والتقدم. والسؤال الذي طُرح على الجزائر خلال السنوات الأخيرة لم يكن: هل نملك الموارد؟ بل: هل نملك الرؤية والإرادة لتوظيفها خارج منطق الريع؟
من هشاشة النموذج إلى تصحيح المسار
قبل 2019، اتسم الاقتصاد الجزائري بسمات نموذج ريعي كلاسيكي: اعتماد مفرط على المحروقات، تضخم في النفقات العمومية، دعم اجتماعي واسع لكنه غير موجّه، ضعف الاستثمار الصناعي الحقيقي، وتأخر كبير في الرقمنة والاقتصاد المعرفي. هذا النموذج جعل الجزائر أقل قدرة على التكيّف مقارنة بدول حوض البحر الأبيض المتوسط مثل إسبانيا وإيطاليا وتركيا، التي رغم أزماتها، تمتلك قواعد إنتاجية وصناعية أكثر تنوعًا.
غير أن التحول الذي بدأ في السنوات الأخيرة لم يكن قفزة في المجهول، بل تصحيحًا لمسار تاريخي. وقد أشار الخبير الدولي في التنمية الاقتصادية، الدكتور عبد الرحمن هادف، إلى أن الجزائر دخلت مرحلة إصلاحات جوهرية، عبر قوانين جديدة للاستثمار والمالية العضوية، تهدف إلى بناء نمط اقتصادي مختلف على المدى المتوسط والبعيد، بعد تشخيص تأخر تنموي تراكمي.
قانون المالية 2026: أرقام تعكس خيارات الدولة
بلغ حجم قانون المالية قرابة 17 ألف مليار دينار، وهو رقم يعكس ليس فقط توسع الإنفاق، بل إعادة ترتيب الأولويات. فقد اختارت الدولة مواصلة دعم القدرة الشرائية باعتبارها ركيزة لتحريك الاستهلاك الداخلي والحفاظ على السلم الاجتماعي، عبر تخصيص ما يقارب 40 مليار دولار للتحويلات الاجتماعية، وأكثر من 56 مليار دولار لدعم المواد الأساسية، إضافة إلى 5.900 مليار دينار لرفع الأجور والمعاشات.
هذا الخيار يضع الجزائر في مسار مغاير لدول شمال إفريقيا، حيث أدت سياسات التقشف ورفع الدعم، في تونس والمغرب على سبيل المثال، إلى اهتزازات اجتماعية وضغوط خارجية متزايدة. الجزائر، بالمقابل، فضّلت تحمّل الكلفة المالية داخليًا مقابل الحفاظ على التوازن الاجتماعي، وهو خيار سياسي–اقتصادي لا يمكن فصله عن مفهوم الدولة الوطنية.
العملة والضغوط غير المرئية.
يُعد تراجع قيمة الدينار، بما يقارب 850 من قيمته عبر سنوات طويلة، من أكثر الملفات حساسية. فهذا التراجع لم يكن نتيجة عوامل اقتصادية داخلية فقط، بل ارتبط أيضًا بضعف الإنتاج، وبالضغوط الخارجية التي واجهتها الجزائر كدولة ذات مواقف سيادية ثابتة.
ومنذ اعتراف الجزائر بدولة فلسطين سنة 1988، دخلت في حالة عداء غير معلن مع لوبيات مالية وسياسية نافذة، لم تخف امتعاضها من هذا الموقف. وقد دفعت الجزائر أثمانًا سياسية واقتصادية لم تدفعها دول شاركت في حروب عالمية، لكنها لم تتعرض لضغوط طويلة الأمد بسبب مواقفها. وهو ما يجعل قراءة الاقتصاد الجزائري مستحيلة دون فهم السياق الجيوسياسي المحيط به.
السيادة المالية ورفض وصفات الماضي
من أبرز ملامح المرحلة الراهنة رفض الجزائر اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، ليس من باب الإنكار للأزمات، بل من باب الوعي التاريخي. تجربة الثمانينات، حين اضطرت الجزائر إلى برامج التصحيح الهيكلي، لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية، بما حملته من تقليص للإنفاق الاجتماعي، تفكيك للمؤسسات العمومية، وارتفاع حاد في البطالة.
وعليه، اختارت الجزائر خلال الأزمات العالمية الأخيرة—من جائحة كورونا إلى اضطرابات الأسواق الدولية—تمويل خياراتها عبر الموارد الداخلية، وتحسين الجباية، وترشيد النفقات دون المساس بجوهر الدعم الاجتماعي. هذا المسار، رغم كلفته، جنّب البلاد الوقوع في دوامة الديون المشروطة التي تعاني منها دول عديدة في الجوار.
مقارنة دولية: الفارق في المنهج لا في الإمكانات
في الولايات المتحدة، يشكل الاقتصاد الوطني المساهم أكثر من 90% من الناتج الداخلي، وتعمل الميزانية كأداة استراتيجية لتعزيز الابتكار والقوة الجيوسياسية. في الصين، تم ضخ ما يفوق 8000 مليار دولار لدعم الاقتصاد الحقيقي، مع صرامة مؤسساتية عالية.
الجزائر لا تزال بعيدة عن هذه النماذج، لكنها بدأت لأول مرة في الانتقال من اقتصاد توزيعي إلى اقتصاد يسعى للإنتاج، من خلال دعم الصناعة، التي تُعد اليوم أكبر ورشة مفتوحة، وتعزيز الفلاحة التي حققت رقم أعمال يقارب 37 مليار دولار، إلى جانب صادرات إجمالية بلغت نحو 60 مليار دولار، مقابل إنفاق سيادي في حدود 15 مليار دولار.
مكاسب واضحة وتحديات قائمة
لا يمكن إنكار ما تحقق من مكاسب: حماية الاستقرار الاجتماعي، دعم المواد الأساسية، تحريك الإنفاق العمومي، تعزيز الأشغال العمومية، وبداية تنويع اقتصادي خارج المحروقات. في المقابل، ما تزال التحديات قائمة، من تضخم النفقات، إلى ضعف الاستثمار الصناعي الخاص، وبطء الرقمنة، وتأخر الربط بين البحث العلمي والاقتصاد.
الكلمة الأخيرة
الاقتصاد الجزائري اليوم لا يبحث عن معجزات، بل عن وقت وثقة. إنه اقتصاد دولة اختارت أن تصلح دون أن تنكسر، وأن تتقدم دون أن تتنازل عن ثوابتها. قد تكون الطريق طويلة، لكن وضوح الاتجاه أهم من سرعة الخطى، لأن الأوطان لا تُبنى بالقفزات، بل بالمسارات التي تحمي حاضرها وهي تصنع مستقبلها.
أنيسة براهنة



