
الدبلوماسية الرياضية في العلاقات الدولية… من المنافسة إلى صناعة النفوذ

في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجالات التكنولوجيا والصناعة وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، لم تعد الدبلوماسية حكرًا على السياسيين ولا حبيسة القاعات المغلقة. فقد أسهم تطوّر وسائط التواصل الاجتماعي وانتقال المعلومة في لحظتها إلى جماهير العالم باختلاف ثقافاتهم ولغاتهم وعقائدهم، في إعادة تشكيل مفاهيم الدبلوماسية وآليات ممارستها، وفتح المجال أمام تأثير الشعوب والأفراد في مسار العلاقات الدولية.
هذا التحوّل أنهى نسبيًا مرحلة الهيمنة المطلقة لما يُعرف بـ”القوة الخشنة” القائمة على النفوذ العسكري والسياسي، لا سيما لدى القوى الكبرى، وفسح المجال لظهور مفهوم “القوة الناعمة”، التي باتت اليوم أداة أساسية في السياسة الخارجية، خاصة بالنسبة للدول الصغيرة أو الصاعدة الباحثة عن مكانة وتأثير في الساحة الدولية.
القوة الناعمة… الرياضة في قلب التأثير
تُعرّف القوة الناعمة بقدرة الدولة على تحقيق أهداف سياستها الخارجية عبر الجذب والإقناع وكسب التعاطف، بدل الإكراه والضغط. وتعتمد هذه القوة على عناصر متعددة، من بينها الإعلام، والفن، والسياحة، والاقتصاد، ودخلت الرياضة في السنوات الأخيرة كأحد أبرز مكوّناتها وأكثرها فاعلية.
ولمواكبة هذا التحوّل، سارعت دول عديدة إلى استحداث مصالح أو أقسام خاصة بالدبلوماسية الرياضية على مستوى وزارات الخارجية، وبدأت تتنافس على تنظيم البطولات العالمية والألعاب الأولمبية، ليس فقط لأهداف رياضية، بل لتحقيق رهانات سياسية واقتصادية، وإعادة تشكيل صورتها لدى الرأي العام العالمي.
وتُعدّ كرة القدم المثال الأوضح على هذا الدور الجديد، باعتبارها الرياضة الأكثر شعبية وتأثيرًا في العالم. وقد شكّل تنظيم كأس العالم الأخيرة بقطر نموذجًا بارزًا للدبلوماسية الرياضية، رغم ما رافقه من انتقادات وحملات إعلامية غربية ودعوات للمقاطعة. غير أنّ الدبلوماسية القطرية تعاملت مع هذه التحديات باحترافية عالية، ونجحت في تحويل البطولة إلى إنجاز عالمي، تُصنَّف اليوم كواحدة من أفضل نسخ كأس العالم تنظيمًا وتأثيرًا.
بين السياسة والرياضة… علاقة لا تنفصم
ورغم أن قوانين الاتحادات الدولية، وعلى رأسها “الفيفا” واللجنة الأولمبية الدولية، تُجرّم التدخّل السياسي في شؤون الرياضة، إلا أن الواقع يثبت وجود ارتباط وثيق بين المجالين، خاصة عندما تتحوّل التظاهرات الرياضية الكبرى إلى منصّات للتأثير السياسي والدبلوماسي.
شروط استضافة البطولات الرياضية الكبرى
إن تنظيم بطولة عالمية أو قارية ناجحة يفرض على البلد المضيف استيفاء جملة من الشروط الأساسية، في مقدّمتها
الضمانات الأمنية: توفير أقصى درجات الأمن للرياضيين والمشجعين والصحفيين منذ لحظة وصولهم إلى غاية مغادرتهم، وحمايتهم من أي تهديدات محتملة، سواء كانت أمنية أو إرهابية أو سياسية.
البنية التحتية الرياضية: امتلاك ملاعب عالمية بمواصفات معتمدة، ومرافق تدريب متطوّرة تسمح للفرق بتطبيق برامجها التحضيرية والحفاظ على جاهزيتها.

المرافق الخدماتية والترفيهية: توفير فنادق راقية من فئة خمس نجوم للرياضيين، مجهّزة بكل وسائل الاسترجاع والاستشفاء، إلى جانب مرافق ترفيهية تسمح للأطقم الفنية والإدارية بممارسة أنشطتها خارج المنافسة.

الخدمات المرافقة: تخصيص فنادق مناسبة للمشجعين والصحفيين، وقاعات لاستقبال الوفود، وضمان سهولة الحصول على التذاكر والتنقل والدخول السلس إلى الملاعب.
شبكة مواصلات متكاملة: ربط فعّال بين المطارات والفنادق وملاعب التدريب والمنافسة، مع توفير وسائل نقل حديثة وسلسة للجماهير.
الإعلام… الذراع المساند للدبلوماسية الرياضية
تلعب وسائل الإعلام والاتصال دورًا محوريًا في تسويق التظاهرات الرياضية وتثمين أهدافها، من خلال إبراز البنية التحتية، والتعريف بالمرافق السياحية والثقافية، وتسويق الصورة الحضارية للشعوب، وتعزيز قيم الروح الرياضية والكرم والأصالة. كما تسهم في جذب اهتمام الإعلام العالمي، وتحفيز الجماهير الأجنبية على السفر والمشاركة في الحدث الرياضي.
الدبلوماسية الرياضية في الجزائر… رهانات وآفاق
يلاحظ المتابع للشأن الرياضي في الجزائر وجود اختلالات عميقة، أبرزها هيمنة أشخاص غير مختصين على تسيير الهيئات والاتحادات الرياضية، في ظل غياب التخطيط الاستراتيجي والمعرفة العلمية بالإدارة الرياضية الحديثة. وإذا أرادت الجزائر أن تجعل من الدبلوماسية الرياضية امتدادًا لقوتها الدبلوماسية السياسية المعروفة دوليًا، فإن ذلك يقتضي جملة من الإجراءات، من بينها:
استحداث هيئة وطنية للدبلوماسية الرياضية على مستوى وزارة الخارجية، تضم ممثلين عن مختلف القطاعات، وخبراء جامعيين، وإعلاميين، ورياضيي نخبة.
وضع معايير صارمة للتعيين والتمثيل في الهيئات القارية والدولية، أساسها الكفاءة العلمية والخبرة والتخصّص وإتقان اللغات وفهم ثقافات الشعوب.
تعزيز انخراط الجزائر في البرامج الرياضية القارية والدولية، خاصة في الفضاء الإفريقي الذي يُعد عمقها الطبيعي.
استعادة الدور الريادي للجزائر في الاتحادات واللجان الرياضية الدولية.
تطوير الرياضة محليًا وتوسيع قاعدة الممارسة.
تنظيم دورات تكوينية دورية في مجال الدبلوماسية الرياضية.
إدراج مقياس الدبلوماسية الرياضية في التكوين الجامعي، خاصة في العلوم السياسية والإعلام وعلوم وتقنيات النشاطات البدنية والرياضية.
إن الدبلوماسية الرياضية لم تعد ترفًا أو خيارًا ثانويًا، بل أصبحت أداة استراتيجية لصناعة النفوذ وبناء الصورة وتعزيز الحضور الدولي، وهو رهان حقيقي على الجزائر استثماره بذكاء واحترافية.
بقلم: الأستاذ الدكتور أحمد بوسكرة – جامعة المسيلة




