الرئيسيةمتفرقات

العربيّة سيّدةُ الهويّة والحضارة

سيادةُ العربيّة ومسؤوليّة النهضة

Spread the love

العربيّةُ سيِّدةٌ تزدهرُ بمن يحفظ مقامَها

الدكتور ياسر أغا عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة

أستهلّ هذه المقالة بقول الشاعر اللبناني حليم دمّوس:

لُغَةٌ إذا وَقَعَتْ على أسماعِنا

كانتْ لنا بَرْدًا على الأكبادِ

ستظلُّ رابطةً تُؤلِّفُ بيننا

فهي الرَّجاءُ لناطقٍ بالضّادِ

تحمل هذه الأبيات دلالة عميقة على مكانة اللغة في تشكيل الوعي الإنساني؛ فالإنسان يفكّر بلغته، ويصوغ بها ملامح فكره وإحساسه، ويعبّر من خلالها عن رؤيته للعالم. فاللغة ليست مجرّد وسيلة تَواصُل، بل هي كيان حيّ نتحمّل تجاهه المسؤولية، كما تتحمّل هي مسؤولية حفظ هويّتنا وذاكرتنا الحضارية.

اختلاف الألسنة… حكمة إلهيّة

لقد أشار القرآن الكريم إلى قيمة التنوّع اللغوي في قوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾.

فاختلاف الألسنة نابع من حكمة الانتشار في الأوطان وتنوّع البيئات، ولو اتّفقت الألسن وتطابقت لتعطّلت مصالح البشر ووقع الالتباس في شؤون الحياة. ومن هذا المنطلق نحمد الله على نعمة البيان، وعلى هذا اللسان المبارك: العربيّة، لسان القرآن الكريم وحضارته.

العربيّة بين الإهمال وضرورة المصالحة

من منطلق الصراحة العلميّة، نحن اليوم في حاجة ماسّة إلى مصالحة حقيقيّة مع لغتنا العربيّة، بعد ما أصابها من إهمال وجفاء، بل وتقصير واضح في التخطيط اللغوي والبرمجة المؤسسية. فالعربيّة لا تعاني الفقر، وإنّما تعاني غياب الإرادة.

وقد صدق أحد المستشرقين حين قال:

“ما رأيتُ لغة في العالم أغنى من العربية، ولا لغة ظلمها أهلها كما ظلم العرب لغتهم.”

إنّ الأمم تفتخر بلغاتها، وتضخّ فيها استثمارات ضخمة لتتصدّر المشهد العالمي، أمّا العربيّة ـ رغم ما قدّمته للإنسانيّة من علوم وآداب ـ فلا تزال تنتظر من يتكفّل برعايتها في عصر التنافس الحضاري.

العربيّة… رابطة الهويّة ووحدة الانتماء

تظلّ اللغة العربيّة رحمًا واصلةً بين أبنائها، ولُحمةً جامعةً لخصائصهم الثقافية والأدبية. ومن حقّها علينا أن نُحسن إليها، وأن ننهض لنجدتها كلّما مسّها ضرّ أو لحقها تراجع.

ويُجسّد الإمام الثعالبي هذه العلاقة بقوله الشهير:

“ومن أحبّ العربيّة عُنِيَ بها، وثابر عليها، وصرف همّته إليها.”

فحبّ العربيّة لا يتحقّق بالشعارات، بل بالعمل والعلم والممارسة.

من التمجيد إلى الفعل الحضاري

لا خلاف حول سموّ مقام العربيّة، غير أنّ المطلوب اليوم هو الانشغال بقضاياها المعاصرة، من خلال:

تكثيف الدراسات اللسانية التطبيقيّة،

إعداد برامج تعليمية عملية،

استثمار التكنولوجيا والفضاء الرقمي في نشرها وتيسير استعمالها،

الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة في تخطيط اللغات.

وهنا يبرز الدور الجوهري للعلماء والمؤسّسات وصنّاع القرار؛ فبدون رؤية عمليّة سنظل نراوح مكاننا، بينما تتقدّم اللغات الأخرى بخطى متسارعة.

المسؤولية المشتركة: قرارٌ وعلمٌ وتطبيق

إنّ الحفاظ على اللغة العربيّة مسؤولية جماعية تبدأ من أصحاب القرار، ولا تنتهي عند المتخصّصين والمعلمين والإعلاميين. فالعمل على اكتساب العربيّة في بيئتها الطبيعية، وممارستها ممارسة سليمة، هو الطريق الأضمن لصونها وتطويرها.

وحين تؤمن الأمّة بلغتها إيمانًا علميًا واعيًا، وتُفعّلها في حياتها العلميّة والثقافيّة، فإنّها تؤسّس بذلك لنهضتها الحضاريّة.

العربيّة ولغة العلم في العصر الحديث

إنّ إتقان العربيّة وتوظيفها في البحث العلمي والمعرفة المتخصّصة ضرورة حضاريّة لا ترفًا ثقافيًّا. فإعادة الاعتبار للعربيّة هو في جوهره إعادة بناء للشخصيّة العربيّة الإسلاميّة، وإطلاق لطاقات الإبداع الكامنة.

وقد أكّد ابن حزم الأندلسي أنّ: “قوّة اللغة من قوّة أهلها”، وتبعه ابن خلدون بقوله: “غلبة اللغة من غلبة أهلها.”

فالعربيّة لا تستعيد مكانتها إلّا حين تصبح لغة العلم والصناعة والمعرفة الحديثة، قادرة على مواكبة التحوّلات التكنولوجيّة الكبرى.

رؤية استراتيجيّة للنهوض بالعربيّة

يبقى السؤال المطروح دائمًا: ما العمل؟

والجواب يكمن في:

وضع استراتيجية لغويّة وطنية وعربية واضحة،

الاستثمار في اقتصاديات اللغة والمعرفة،

رقمنة المحتوى العربي وحوسبته،

دعم البحث العلمي الموثّق بالعربيّة.

ولتحقيق ذلك، لا بدّ من تظافر ثلاثة عوامل أساسيّة:

العامل السياسي: عبر سنّ سياسات لغوية ملزِمة وتوفير الدعم المؤسّسي.

العامل الثقافي: من خلال نشر الوعي وتنظيم المبادرات الثقافية.

العامل الإعلامي والرقمي: برقمنة اللغة وتحويلها إلى مخزون معرفي قابل للإدارة والتطوير.

إنّ العربيّة، بما تحمله من خصائص وطاقات، قادرة على أن تكون لغة المستقبل كما كانت لغة الحضارة. غير أنّ ازدهارها مرهون بإرادة أهلها، ووعيهم بدورها، وعملهم الجاد على حفظ مقامها.

فالعربيّة سيّدة،

ولا تزدهر إلّا بمن يحفظ لها سيادتها.

إعداد الدكتور ياسر أغا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى