
يشهد الإعلام الرياضي في الجزائر مرحلة انتقالية دقيقة تتقاطع فيها الثورة الرقمية مع المنظومة القيمية الأصيلة للمجتمع الجزائري، الذي يعتبر الممارسة الرياضية امتدادًا للتربية العامة ووسيلة لترسيخ القيم التربوية والاجتماعية.
فالإعلام الرياضي، في جوهره، رسالة تربوية وثقافية تهدف إلى نشر ثقافة الرياضة وتوسيع قاعدتها، وتعزيز روح العمل الجماعي والانتماء الوطني، وغرس قيم النزاهة والاحترام. غير أن التحولات التكنولوجية العميقة والمتسارعة، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وظهور الذكاء الاصطناعي، أعادت تشكيل بنية الحقل الإعلامي الرياضي وأثارت تساؤلات جديدة حول مستقبل أخلاقيات المهنة وحدود المسؤولية الإعلامية.
لقد أصبح الإعلام الرياضي اليوم محكومًا بخوارزميات التفاعل، التي تقيس النجاح بعدد المشاهدات لا بعمق الفكرة أو مصداقية المعلومة، ما أدى إلى تراجع الدور التربوي والتثقيفي، وحلول ثقافة الإثارة والمحتوى السطحي محل التحليل العلمي والمصداقية المهنية. وانتشرت منصات إعلامية رقمية وصفحات رياضية تبتعد عن رسالتها التربوية والاجتماعية، لتتحول إلى فضاءات للتهريج بدل التنوير.
إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى المشهد الإعلامي الرياضي لم يكن خطرًا في حد ذاته، بل أتاح فرصًا لتطوير الأداء وتحسين جودة التحليل وتسريع الوصول إلى المعلومة، لكنه في المقابل كشف عن ضعف التكوين الأكاديمي وغياب التأطير الأخلاقي في التعامل مع هذه الأدوات. وهنا أصبحت الآلة تسبق الضمير، وغابت الحدود بين الإبداع الإنساني والإنتاج الآلي للمحتوى.
إن استمرار هذا المسار دون مراجعة قيمية ومؤسساتية قد يؤدي إلى تمييع الوعي الرياضي وإضعاف ثقة الجمهور في الإعلام، بل وتهديد الصورة الجماعية للمجتمع الجزائري التي تأسست على القيم والمروءة والانتماء.
إن مستقبل الإعلام الرياضي الجزائري مرهون بقدرته على التوفيق بين الذكاء التقني والضمير الأخلاقي، وبين الحداثة الرقمية والأصالة القيمية. فالتكنولوجيا ليست بديلاً عن الإنسان، بل وسيلة في خدمته. ومن واجبنا أن نوجّهها بما ينسجم مع قيمنا وتقاليدنا الوطنية، حتى يظل الإعلام الرياضي أداةً للتربية والوعي، لا مجرد صدى لفوضى رقمية بلا هوية.
بقلم: الأستاذ الدكتور أحمد بوسكرة – جامعة المسيلة




