
قراءة تحليلية في مداخلة الوزير السابق للاستشراف بشير مصيطفى حول قانون المالية الجزائري 2026
في مداخلته خلال الندوة الوطنية الموسومة بـ «قراءة تحليلية استشرافية في قانون المالية الجزائري 2026 – رؤية اليقظة المالية»، التي احتضنتها المكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة، قدّم الوزير السابق للاستشراف ورئيس المؤسسة الجزائرية «صناعة الغد»، السيد بشير مصيطفى، قراءة نقدية عميقة لقانون المالية لسنة 2026، تجاوزت العرض الرقمي للأرقام إلى تفكيك فلسفة إعداد الميزانية وحدود استدامتها.
لم تكن المداخلة توصيفًا تقنيًا لوثيقة مالية، بقدر ما كانت دعوة صريحة لإعادة التفكير في العلاقة بين الاقتصاد والميزانية، وفي قدرة الدولة على الانتقال من منطق التسيير الظرفي إلى منطق البناء الاستراتيجي.
ميزانية بين فرص النمو واختلالات الهيكلة
أبرزت القراءة الاستشرافية لقانون المالية 2026 وجود مفارقة واضحة:
اقتصاد يمتلك هامشًا معتبرًا للنمو بحكم عدم بلوغه التشغيل الكامل لعوامل الإنتاج، مقابل ميزانية تعكس اختلالات بنيوية في هيكلة النفقات وتوزيع الأولويات.
فالفرص موجودة، غير أن استثمارها يظل رهين خيارات موازنية ما تزال أسيرة منطق التسيير أكثر من منطق الاستثمار المنتج.
عجز موازني بأبعاد مقلقة
من بين أبرز المؤشرات التي توقف عندها الوزير السابق للاستشراف، العجز الموازني الذي بلغ نحو 5186 مليار دينار، أي ما يعادل قرابة 40 مليار دولار.
وتتضح خطورة هذا الرقم عند مقارنته بـ:
12 بالمائة من الناتج الداخلي الخام
30 بالمائة من إجمالي الميزانية
وهو ما يعكس وجود اختلال مالي حقيقي، مرشح – في حال استمراره – إلى المعالجة عبر قانون مالية تكميلي، أو من خلال اللجوء إلى آلية التمويل بالعجز.
العجز نتيجة خيارات لا قدَرًا اقتصاديًا
شدّد بشير مصيطفى على أن العجز ليس نتيجة حتمية اقتصادية، بل هو في جوهره نتاج اختيارات إنفاقية، وعلى رأسها الحجم الكبير للتحويلات الاجتماعية التي بلغت حوالي 28 مليار دولار.
ويمثل هذا المبلغ:
40 بالمائة من إجمالي النفقات
65 بالمائة من إيرادات الميزانية
وهي تحويلات، رغم بعدها الاجتماعي، يمكن إعادة توجيه جزء معتبر منها ضمن مقاربة أكثر نجاعة دون المساس بالطابع الاجتماعي للدولة.
نفقات التسيير تطغى على الاستثمار
تظهر بنية الإنفاق ميلًا واضحًا نحو نفقات التسيير، حيث توزعت التحويلات الاجتماعية على النحو التالي:
منحة البطالة: 3 مليارات دولار
مخصصات التقاعد: 3 مليارات دولار
كتلة الأجور: 45 مليار دولار (33% من إجمالي النفقات)
دعم الأسعار: 5 مليارات دولار
في المقابل، لم تتجاوز مخصصات الاستثمار 31 مليار دولار، أي حوالي 20 بالمائة من إجمالي الإنفاق، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية حول قدرة الميزانية على لعب دور محرك للنمو.
إيرادات ريعية ومستقبل جبائي مؤجل
بلغت إيرادات الميزانية نحو 8009 مليار دينار، أي 61.1 مليار دولار، ما يعادل 19 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.
غير أن الإشكال لا يكمن في حجم الإيرادات، بل في مصدرها، إذ لا تمثل الجباية سوى 33 بالمائة منها، وهو ما يؤكد استمرار الطابع الريعي للميزانية، والحاجة الملحّة إلى بناء جباية مستديمة قائمة على خلق الثروة.
تمويل العجز… سؤال السيادة المالية
استعرضت المداخلة الخيارات التقليدية لتمويل العجز، من مديونية داخلية واقتراض بنكي وسندات خزينة، مشيرًا إلى أن هذه الآليات بلغت حدودها، خاصة مع وصول المديونية الداخلية إلى حوالي 17 ألف مليار دينار.
أما اللجوء إلى الاقتراض الخارجي أو الرفع من الضغط الجبائي، فيحمل مخاطر حقيقية تمس السيادة المالية والاستقرار الاجتماعي.
بدائل غير تقليدية برؤية استراتيجية
في مقابل ذلك، دعا بشير مصيطفى إلى التفكير في حلول غير تقليدية، من بينها:
التمويل الإسلامي عبر الصكوك السيادية المضمونة بأصول حقيقية
تعبئة موارد الاقتصاد التضامني مثل الزكاة، الأوقاف، وإرث من لا وارث له
وهي آليات يمكن أن تشكل رافدًا مهمًا لتمويل التحويلات الاجتماعية إذا ما أُطّرت قانونيًا ومؤسساتيًا.
مؤشرات اجتماعية تضغط على الميزانية
توقفت المداخلة أيضًا عند جملة من المؤشرات الاجتماعية المقلقة، من ضعف النسيج المؤسساتي المنتج إلى ارتفاع البطالة ومختلف الإشكالات الاجتماعية، مؤكدًا أن هذه المعطيات تزيد من الضغط على المالية العمومية، وتبرز الحاجة إلى استثمار حقيقي في الإنسان.
من قانون سنوي إلى رؤية 2040
الحل، حسب الوزير السابق للاستشراف، لا يكمن في المعالجات الظرفية، بل في:
إنشاء خلية يقظة مالية على مستوى الحكومة
اعتماد قوانين مالية استشرافية لخمس سنوات
تأسيس صندوق وطني للزكاة وصندوق وطني للوقف
تبني نموذج نمو إلى غاية 2040
يرتكز على قطاعات استراتيجية مثل الصناعة، الفلاحة، السياحة، الاقتصاد الرقمي، البحث العلمي، والخدمات عالية التكنولوجيا، مع بناء نسيج قوي من الشركات الناشئة.
خلصت مداخلة بشير مصيطفى إلى فكرة محورية مفادها أن الاقتصاد هو الذي يصنع ميزانية الدولة، لا العكس.
اقتصاد هش يولد ميزانية قائمة على العجز،
واقتصاد متين يولد ميزانية مستقرة وقابلة للفائض.
والجزائر، بحسب المتدخل، تملك كل مقومات الانتقال إلى اقتصاد قوي ومنتج، شريطة وضوح الرؤية، وحسن التخطيط، والانتقال من إدارة العجز إلى هندسة المستقبل.




