
أكد الوزير الأسبق للاستشراف والإحصائيات، ورئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغد، السيد بشير مصيطفى، أن القرن القادم سيكون «قرن الفكرة الثقافية»، محذرًا في الوقت ذاته من إشارات مقلقة تحيط بالمستقبل الثقافي للجزائر والعالم العربي ودول التعاون الإسلامي، في حال عدم الإسراع في تصميم سياسات ثقافية قادرة على مقاومة مشهد الهيمنة القادم.
وجاء ذلك خلال محاضرة فكرية نظمتها مؤسسة أوكسجين، السبت الماضي، بالمكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة، حيث أوضح مصيطفى أن الإشارات الأولى للهيمنة الثقافية وبدايات تصميم ملامح القرن الثاني والعشرين بدأت تتجسد عبر تأسيس مراكز ومعاهد ومنتديات رقمية ومبادرات دولية لنشر اللغات، على غرار افتتاح معهد كونفوشيوس للغة الصينية بالجزائر في سبتمبر 2025، ومبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لنشر اللغة الفرنسية في إفريقيا بمناسبة اليوم العالمي للفرنكفونية في نوفمبر 2025، إلى جانب تأسيس نادٍ إلكتروني لتعليم اللغة الفارسية لغير الناطقين بها، فضلًا عن التوجه العالمي نحو مجانية تعليم اللغات.

مصيطفى من مكتبة الحامة
وفي تحليله لمفهوم «الهيمنة»، استعرض مصيطفى وضع العالمين العربي والإسلامي خلال القرون الأربعة الأخيرة، معتبرًا أنها اتسمت بسلسلة من الإخفاقات المتراكمة، شملت إخفاق تكوين الثروة في القرن الثامن عشر، ثم الاستعمار في القرن التاسع عشر، فالسياسة في القرن العشرين، وصولًا إلى الاقتصاد والتجارة في القرن الحادي والعشرين.
أما القرن الثاني والعشرون – يضيف المتحدث – فسيكشف عن أحد مشهدين محتملين: إما هيمنة صينية شاملة تقودها اللغة الصينية على حركة العالم والعلاقات الدولية، أو عودة الحضارة الإسلامية عبر آلية «اليقظة»، مدعومة بخصوصيات اللغة العربية والدين الإسلامي. واعتبر مصيطفى أن هناك احتمالًا قويًا لأن تصبح اللغة العربية المشترك اللغوي العالمي في القرن القادم، شريطة تكثيف الإنتاج العلمي باللغة العربية، وتسريع وتيرة ترجمة العلوم إلى لغة القرآن، وتفعيل مجامع اللغة العربية، وتأسيس معاهد متخصصة لتعليم العربية ونشرها عالميًا، خاصة في الدول التي تربطها بالجزائر اتفاقيات تعاون، إلى جانب التطبيق الصارم لقانون تعميم استعمال اللغة العربية في الدوائر الرسمية وغير الرسمية داخل البلاد.

مصيطفى من مكتبة الحامة
وقدم الوزير الأسبق، خلال محاضرة دامت ساعة كاملة، لوحة تحليلية مدعمة بإحصائيات محينة، تناولت عشرة محاور أساسية، تمحورت حول فكرة الاستشراف، ومفهوم «فكرة القرون»، ونظرية الثقافة والمشكلة الثقافية، ومفهوم الهيمنة الثقافية، وإشارات القرن الثاني والعشرين، والانتقال من منطق التجارة بين الدول إلى الثقافة بين الدول، والتقسيم الجديد للدول على أساس الهيمنة الثقافية، إضافة إلى التداعيات المحتملة على الجزائر والعالمين العربي والإسلامي، مع التحذير من انتقال إخفاقات الاقتصاد والسياسة إلى إخفاق ثقافي شامل، وصولًا إلى ما ينبغي القيام به لمواجهة هذه التحديات.
وقد أثارت محاضرة مصيطفى، التي تميزت بالمنهجية العلمية والطرح الاستشرافي، نقاشًا واسعًا وسط جمهور نوعي ضم نخبة من المفكرين والأدباء والكتاب والإعلاميين والفنانين والسياسيين، إلى جانب ممثلين عن منظمات وطنية ووفود من عدة ولايات، إضافة إلى وفدين من أوروبا (باريس) وأمريكا الشمالية (كندا)، في إطار التفاعل مع رؤى صناعة الغد واستشراف التحولات الكبرى القادمة.



