آخر الأخبارالرئيسيةمتفرقاتمجتمعوطنيايحدث اليوم
أخر الأخبار

لا حصانة للفوضى

Spread the love

لجنة خاصة للسحب الفوري لرخص استغلال خطوط النقل لكل من يثبت تورطه في الإضراب غير القانوني

في ظل الظروف الوطنية الدقيقة التي تمرّ بها الجزائر، ومع ما يشهده قطاع النقل من محاولات متكررة لفرض الأمر الواقع عبر الإضرابات العشوائية، عاد مطلب تشكيل لجنة خاصة للسحب الفوري لرخص استغلال الخطوط، سواء بالنسبة لسيارات الأجرة أو الحافلات، إلى الواجهة بقوة، باعتباره إجراءً ضروريًا لحماية المصلحة العامة، وضمان استمرارية الخدمة العمومية، ومنع شلّ شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

لقد أثبتت التجارب الأخيرة أن بعض الإضرابات، وإن رُفعت لها شعارات مهنية في ظاهرها، فإنها في عمقها تجاوزت حدود المطالبة المشروعة، وتحولت إلى وسيلة ضغط جماعي غير محسوبة العواقب، يدفع ثمنها المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى. فحين تتوقف الحافلات، وتختفي سيارات الأجرة من الطرقات، لا تتعطل فقط حركة السير، بل تتعطل حياة المرضى، وتتأخر مصالح الطلبة، ويتضرر العمال، ويُحاصر سكان المناطق المعزولة في صمت قاسٍ.

من هذا المنطلق، يبرز خيار السحب الفوري لرخص استغلال الخطوط كآلية ردع قانونية، لا تستهدف العقاب بقدر ما تهدف إلى إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية. فرخصة استغلال الخط ليست امتيازًا دائمًا، ولا حقًا مكتسبًا خارج إطار القانون، بل هي تفويض مشروط بخدمة المواطن، واحترام القوانين، وضمان استمرارية النقل باعتباره مرفقًا حيويًا لا يحتمل العبث.

إن تشكيل لجنة خاصة، تضم ممثلين عن القطاعات المعنية، من نقل، وداخلية، وأمن، من شأنه أن يضع حدًا لحالة الفوضى، ويقطع الطريق أمام من يحاول توظيف القطاع لأجندات غير مهنية، أو استغلال هشاشة الظرف الاجتماعي لجرّ الشارع نحو الاحتقان.

كما أن وجود آلية واضحة، تعتمد على الإثبات والمتابعة الميدانية، سيضمن العدالة، ويمنع التعميم، ويُفرّق بين من يمارس حقه القانوني في الاحتجاج ضمن الأطر، ومن يعمد إلى شلّ الخدمة العمومية وابتزاز المجتمع.

ولا يمكن قراءة هذا المقترح بمعزل عن السياق العام. فالجزائر اليوم تخوض معركة بناء واستقرار، وتعمل على إصلاح قطاعات حيوية، من بينها قطاع النقل، الذي يُعد عصبًا أساسيًا في دورة الاقتصاد والتنمية. وأي تعطيل متعمّد لهذا القطاع، خاصة في مناطق استراتيجية أو في فترات حساسة، لا يمكن اعتباره مسألة مهنية بسيطة، بل سلوكًا له انعكاسات وطنية مباشرة.

إن حماية المواطن تقتضي الحزم. فالدولة، حين تمنح رخص الاستغلال، إنما تفعل ذلك لضمان خدمة عمومية مستمرة، لا لتكون تلك الرخص وسيلة ضغط أو ورقة مساومة. ومن غير المقبول أن يُترك المواطن رهينة لقرارات فجائية، تُتخذ دون مراعاة للمرضى، ولا للطلبة، ولا للعائلات، ولا حتى للاقتصاد الوطني الذي يتأثر بشكل مباشر بكل ساعة توقف.

كما أن هذا الإجراء من شأنه أن يُنصف المهنيين الشرفاء الذين يواصلون العمل في أصعب الظروف، والذين يلتزمون بواجبهم المهني والأخلاقي، ولا ينخرطون في موجات الفوضى أو الانسياق وراء الإشاعة. فهؤلاء أولى بالحماية والدعم، بدل تركهم عرضة للضغط أو التهديد من قبل أقلية تحاول فرض منطقها بالقوة.

إن الدعوة إلى السحب الفوري لرخص الاستغلال لا تعني إغلاق باب الحوار، ولا إقصاء المطالب المهنية المشروعة، بل تعني تنظيمها داخل الأطر القانونية، وفصل الاحتجاج المسؤول عن التعطيل غير المقبول. فالدولة التي تحترم مواطنيها، مطالبة كذلك بحماية حقهم في التنقل، والعمل، والعلاج، والتعليم.
وفي النهاية، يبقى النقل مرفقًا عموميًا لا يحتمل المزايدات. ومن يتعامل معه بمنطق الفوضى، لا يمكن أن يتمتع بحصانة القانون. فبين الحق في الاحتجاج، وواجب خدمة المواطن، خط أحمر اسمه الوطن، لا يجوز تجاوزه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى