في بيت صغير في إحدى الأراضي المقدسة كانت تقطنه عائلة أفرادها السعادة والأمان وأبناؤهما الطمأنينة والرضا، فكانت السعادة تطهو وجبة الغداء في المطبخ والأمان يقرأ جريدة أمام النافذة، أما الطمأنينة والرضا كانا يتشاجران كأي أخوين يشدان أيدي بعضهما ويصرخان ويطلبان الإغاثة من والديهما، ثم تأتي الأم السعادة لتنهي الشجار ويتعانق الأخوان ويعودان للعب مرة أخرى، ثم تجتمع العائلة على طاولة الغداء ويتناولون الطعام الشهي ويتبادلون الضحكات ويمدحون ربة البيت على لذة الطعام، ثم كل واحد منهم يتوجه للحمام لغسل يديه وأسنانه ويذهب لغرفة الجلوس ليجتمع بعائلته ويخبرهم أسرار يومه ليتفاعل الوالدان ويوجهان النصائح لأولادهما فلذة كبدهما، ويمر الوقت سرياً ويأتي موعد النوم فكل فرد يسلم نفسه للفراش ويغوص في نوم عميق يمتص كل أتعابه….. هاقد حل صباح جديد على عائلة بريئة لم يكن يوماً همها السلطة أو النفوذ أو حتى المال بل همها الوحيد الراحة، ولكن بينما هم يتناولون وجبة فطورهم الأخيرة إذ بشيء يفسد راحتهم ويحول السعادة إلى التعاسة والأمان إلى رعب، نعم إنه صاروخ إسرائيلي قذر متعفن سقط على راحة هذا البيت وأصبح أفراد هذه العائلة يزاحمون الطيور في السماء التي أصبحت رمادية مثل الدخان، لكن أتعلمون الطمأنينة والرضا ماذا حل بهم؟
بالنسبة للطمأنينة حولها هذا الصاروخ إلى فزع وخوف شديد ليس من الموت لأنه أمر محتوم وحق، لكن الخوف من الجوع، الخوف من البرد، والخوف من الفقدان. هناك من خسر أولاده السبعة إثر انفجار ومنهم من خسر أباه بسبب صاروخ، وأيضاً هناك من استشهد لأنه يبث الحقائق ويفضح الظلم الذي نخر جسد الشعب الفلسطيني الحبيب وترك ابنته الصغيرة تعيش على حطام الذكريات، تكبر على حقيقة أبيها البطل الشهيد.
لكن الرضا قد فُقد، لكن لم يطل الزمان وتم إيجاده في مكان لم يتوقع قط، لقد وجدوه في قلوب المظلومين، في قلوف الأطفال والمسنين وفي قلوب الشباب، نعم هو لم يذهب ولم يتغير لأنه مغروس في قلوب أصحاب هذه الأرض، إنه الشعب الفلسطيني القوي والصامد فطفل فلسطيني أقوى من ألف رجل.
في الأخير كان مصير هذه العائلة الشتات والفقدان والفراق، أما الشتات فقد ذهب كل فرد منها في طريقه، وأما الفقدان فقد فقدوا أساس بيتهم “الراحة”، وأما الفراق لأنهم فارقوا بيتهم ولم يتبقَ منه إلا أحجار متفرقة، فهذه هي حالتهم وحالة كل العائلات الفلسطينية التي تحارب وتناضل من أجل لقمة وملعقة طعام تسكت جوعهم، أطفال صغار سُلبت طفولتهم منهم وأصبحت أمنيتهم رغيف خبز، لكن هذه الدنيا فانية ولن يبقى أي بشر عليها فالوجهة إلى أرض المحشر والحساب ثم إما جنة أو نار، وواضح من سيفوز بالجنة وينعم بها، والآن انتهت كلماتي وإلى لقاء جديد بإذن الله.
بقلم: علي مروى




