
بيان السيد خالد غالي رئيس الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق بعد شل الطرقات من حركة السير العادية للمركبات جاء فيها:

في كل صباح، قبل أن تُدار المحركات وتتحرك العجلات، هناك سؤال أخلاقي صامت يُفترض أن يطرحه كل سائق على نفسه:
هل سأكون اليوم سببًا في تسهيل حياة الناس… أم في تعقيدها؟

ليس كل ما يقع في الطريق حادثًا عرضيًا، وليس كل توقّف في حركة السير مجرّد ازدحام عابر. في كثير من الأحيان، يكون الطريق مسرحًا لقرارات فردية، لكن نتائجها جماعية، يدفع ثمنها مواطن بسيط لا ذنب له سوى أنه كان في المكان الخطأ، وفي الوقت الخطأ.
من هذا الوعي الإنساني العميق، أطلق السيد خالد غالي، رئيس الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق، نداءً صادقًا ومسؤولًا، موجّهًا إلى جميع السائقين، بمختلف فئاتهم وأنواع مركباتهم، من سائقي الحافلات، وسيارات الأجرة، والنقل الجماعي، والنقل الفردي، داعيًا إيّاهم إلى التحلّي بروح وطنية راقية، وسلوك حضاري يليق بالجزائر، وبحجم التحديات التي تمرّ بها.
إن هذا النداء لا يحمل لغة التهديد ولا نبرة الوعظ، بل ينطلق من حقيقة بسيطة ومؤلمة: الطريق ليس ملكًا لفرد، ولا ساحة لتفريغ الغضب، ولا وسيلة ضغط، بل هو شريان حياة لوطن كامل. حين يُغلق طريق، أو تُشلّ حركة المرور، أو تُمارس سلوكيات فوضوية، فإن أول من يتضرر ليس “النظام” ولا “المؤسسات” بالمفهوم المجرّد، بل المواطن.
– المواطن المريض الذي ينتظر سيارة إسعاف قد لا تصل في الوقت المناسب.
– المواطن الطالب الذي يقطع عشرات الكيلومترات يوميًا ليبني مستقبله.
– التلميذ في المناطق المعزولة الذي لا يملك خيار التأخر.
– العامل البسيط الذي يُحاسَب على دقائق لم يكن سببًا في ضياعها.
هؤلاء هم من يدفعون الضريبة الحقيقية لكل سلوك غير مسؤول في الطريق.
ويأتي هذا النداء في لحظة وطنية دقيقة، حيث تقف الجزائر فعليًا عند مفترق طرق حاسم. فالدولة تبذل جهودًا معتبرة في مسار النهوض، وإعادة بناء الثقة، وتحريك عجلة التنمية، وترسيخ الاستقرار. غير أن هذه الجهود، مهما بلغت، تظلّ هشّة إذا لم تُرافقها سلوكيات مجتمعية واعية، تبدأ من أبسط الفضاءات: الطريق.
يشدّد السيد خالد غالي على أن الوطنية لا تُقاس فقط بالمواقف الكبرى، بل تُختبر في التفاصيل اليومية. في احترام قانون السير، في ضبط النفس، في إعطاء الأولوية، في تفادي العرقلة، وفي إدراك أن كل تصرّف فردي ينعكس، بشكل أو بآخر، على صورة الجزائر في الداخل والخارج.
فالطريق، كما يقول، مرآة المجتمع. وما يحدث فوقه يُستثمر أحيانًا من أطراف لا تريد الخير لهذا البلد، فتُضخّم مشاهد الفوضى، وتُقدَّم كصورة نمطية عن الجزائر، وتُستغل لتغذية خطابات عدائية تُقزّم ما تحقق، وتُشوّه ما يُبنى.
حين يصبح الطريق موقفًا وطنيًا
وهنا تتقاطع المسؤولية الفردية مع المصلحة الوطنية. فحين يتحلّى السائق بالانضباط، وحين يقدّم مصلحة الناس على انفعاله، وحين يتعامل مع الطريق كمسؤولية لا كغنيمة، فإنه لا يحمي الأرواح فقط، بل يُسهم، بصمت، في حماية صورة وطنه.
إن النداء الذي يرفعه رئيس الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق هو دعوة صريحة إلى تجديد العقد الأخلاقي بين المواطن والطريق، عقد يقوم على الوعي، والاحترام، والإحساس بأن الجزائر لا تُبنى فقط بالقرارات والسياسات، بل أيضًا بسلوك أبنائها في تفاصيل حياتهم اليومية.
في النهاية، الطريق ليس مجرد إسفلت وحديد. هو مساحة اختبار حقيقي لمدى نضجنا كمجتمع، ولقدرتنا على تقديم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وبين قيادة راقية وسلوك مسؤول، تُصنع الجزائر التي نستحقها، وتُحبط رهانات من يتربّصون بها.
غالي خالد



