

لم تكن الرياضة في الجزائر يومًا نشاطًا ترفيهيًا معزولًا عن السياق العام، بل تشكّلت تاريخيًا كأداة استراتيجية لبناء الهوية الوطنية وتعزيز الوحدة الاجتماعية، حتى أصبحت إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة التي استخدمها الجزائريون في التعبئة الرمزية، وصناعة الوعي الجمعي، والتأثير الدولي.
فمنذ الحقبة الاستعمارية، مرورًا ببناء الدولة الوطنية، وصولًا إلى مرحلة الاحتراف والإنجازات العالمية، لعبت الرياضة دورًا محوريًا في تجسيد روح الانتماء وصناعة الفخر الجماعي، وتحويل الملاعب إلى فضاءات للوحدة والتلاحم.في مرحلة ما قبل الاستقلال (1919–1962)، شكّلت النوادي الرياضية إحدى القنوات الأساسية لتنظيم الحركة الوطنية، حيث بلغ عدد الجمعيات الرياضية الجزائرية نهاية الخمسينيات أكثر من 120 ناديًا، وارتفع عدد الممارسين من حوالي 12 ألفًا في نهاية الأربعينيات إلى ما يقارب 35 ألف ممارس عشية الثورة. ويُعد تأسيس فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم سنة 1958 الحدث الرياضي- السياسي الأبرز، إذ خاض الفريق أكثر من 90 مباراة دولية في آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية، وأسهم بقوة في التعريف بالقضية الجزائرية وكسب الدعم السياسي والدبلوماسي لها، ما جعل الرياضة أداة مقاومة رمزية ووحدة وطنية متنقلة عبر العالم.
بعد الاستقلال، وفي إطار مرحلة النموذج المركزي (1962–1976)، اعتمدت الدولة على الرياضة كوسيلة لبناء الشرعية الوطنية وتكريس الانتماء الجماعي، فارتفع عدد الجمعيات من نحو 300 نادي سنة 1962 إلى أكثر من 1,800 نادي منتصف السبعينيات، وقفز عدد الممارسين من 45 ألفًا إلى أكثر من 420 ألفًا، بنسبة نمو فاقت 830%. كما سجّلت الجزائر أولى إنجازاتها القارية والدولية، من بينها المشاركة الأولى في الألعاب الإفريقية سنة 1965، والألعاب الأولمبية 1968، وتحقيق البرونزية الأولمبية لمحمد قموح في ألعاب القوى سنة 1972، ما رسّخ حضور الجزائر رياضيًا وكرّس الرياضة كأداة توحيد وطنية.
خلال مرحلة الإصلاح الرياضي (1976–1988)، توسّعت قاعدة الممارسة بشكل غير مسبوق بفضل ربط النوادي بالمؤسسات الاقتصادية العمومية، فارتفع عدد الأندية إلى أكثر من 4,500 نادي، وتجاوز عدد الممارسين 1.2 مليون رياضي. وشهدت هذه المرحلة ذروة الإنجازات، أبرزها تأهل المنتخب الوطني إلى مونديال 1982 و1986، وتحقيق الفوز التاريخي على ألمانيا الغربية في إسبانيا، ثم التتويج بـ كأس إفريقيا للأمم 1990، إلى جانب الهيمنة الإفريقية في كرة اليد وألعاب القوى والملاكمة. هنا تحوّلت الرياضة إلى رافعة جماهيرية كبرى للوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.
أما مرحلة التحول والاحتراف الرياضي (1989–2010)، فقد تزامنت مع تحولات سياسية واقتصادية عميقة، غير أن الرياضة حافظت على دورها الرمزي، من خلال التتويج القاري سنة 1990، وحصد ميداليات أولمبية وعالمية، أبرزها ذهبية نور الدين مرسلي في أولمبياد سيدني 2000، وفضيات وبرونزيات في الجودو والملاكمة وألعاب القوى، ما عزّز حضور الجزائر الدولي في أحلك الفترات الداخلية.
ومع مرحلة إعادة بعث الحركة الرياضية (2011–اليوم)، شهدت الجزائر استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرياضية، وبناء ملاعب عالمية، وإعادة هيكلة المنظومة القانونية والتنظيمية، فحققت إنجازات لافتة، أبرزها التأهل إلى مونديال 2010 و2014 و2026، وبلوغ الدور الثاني في مونديال البرازيل 2014، والتتويج بـ كأس إفريقيا للأمم 2019، إضافة إلى تحقيق ما مجموعه 17 ميدالية أولمبية حتى 2022 في ألعاب القوى، الجودو، والملاكمة، ما أعاد للرياضة الجزائرية إشعاعها الإقليمي والدولي.
يكشف تشخيص هذا المسار التاريخي أن الرياضة لم تكن قطاعًا هامشيًا، بل شكّلت دائمًا ركيزة للوحدة الوطنية، سواء عبر المقاومة الرمزية، أو بناء الدولة، أو صناعة الإنجاز، أو تعزيز الصورة الدولية. ويؤكد التحليل أن الاستثمار المستدام في الرياضة، ودعم التكوين القاعدي، وربط الإنجازات بالهوية الوطنية، يساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتفعيل القوة الناعمة للجزائر. أما الرؤية المستقبلية، فتتمثل في ترسيخ الحوكمة الرياضية، تطوير منظومة التكوين، توسيع قاعدة الممارسة، واستثمار الرياضة كأداة دبلوماسية وثقافية لبناء صورة دولية إيجابية ومستدامة.
وتظل الرياضة في الجزائر أكثر من مجرد نشاط بدني أو منافسة ظرفية؛ فهي رافعة استراتيجية للوحدة الوطنية، ومجال حيوي لصناعة الأمل الجماعي، ووسيلة فعالة لترسيخ الانتماء وبناء المستقبل المشترك.
بقلم الاستاذ الدكتور احمد بوسكرة
استاذ الإدارة والتسيير الرياضي
جامعة مسيلة الجزائر



