
منذ تأسيس الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق، برئاسة السيد خالد غالي، حرصت الهيئة على ترسيخ حضور ميداني قوي يربط ما بين الفعل التحسيسي والتثقيف المروري وبين الانخراط الاجتماعي المباشر في مختلف ولايات الوطن. جاءت مرحلة التأسيس محمّلة برؤية واضحة تقوم على أن التوعية المرورية ليست عملاً موسمياً أو خطاباً ظرفياً، بل مساراً مستداماً تُبنى عليه ثقافة مجتمعية مسؤولة. لذلك اتّجهت الجمعية منذ أيامها الأولى نحو بناء شبكة علاقات مؤسساتية مع المدارس، الثانويات، الجامعات، مراكز التكوين المهني، مصالح الحماية المدنية، الدرك الوطني، الأمن الوطني، والبلديات، مما جعل خطابها يتجاوز الوعظ التقليدي إلى فعل تفاعلي يلامس يوميات مستعملي الطريق.
شهدت الفترة الممتدة بين التأسيس وسنة 2017 تركيزاً كبيراً على بناء الثقة والتموقع المؤسساتي؛ فخلال هذه السنوات اشتغلت الجمعية على تنظيم الأيام التحسيسية الأولى التي لاقت صدى واسعاً في المدارس والمخيمات الصيفية، كما نظمت خرجات ميدانية في نقاط عبور حساسة عند مداخل المدن والساحات العمومية، حيث تم توزيع المطويات وفتح حوارات مباشرة مع السائقين، وعُرضت حصص توعوية تفاعلية للأطفال باعتبارهم مستعملي الطرق في المستقبل. وقد شكل هذا التوجه حجر الأساس الذي بُني عليه العمل اللاحق، إذ اكتسبت الجمعية سمعة الميدان قبل سمعة المحافل الرسمية.
ابتداءً من عام 2018 دخلت الجمعية مرحلة جديدة اتّسمت بالتحول إلى المنهج المنظم في التخطيط لنشاطاتها. فقد ارتفعت وتيرة الملتقيات والدورات التكوينية، وعلى رأسها تنظيم سلسلة لقاءات جهوية حول القيادة الآمنة في المدن الكبرى، تلتها حملات خاصة بالسائقين المهنيين، خاصة سائقي الحافلات وسيارات الأجرة وشاحنات النقل. وفي هذه المرحلة شرعت الجمعية في بناء قاعدة بيانات ميدانية تستند إلى تقارير معاينة الواقع في الطرقات، وهو ما مكّنها لاحقاً من تقديم توصيات موضوعية للجهات الوصية حول تحسين الإشارات المرورية في المناطق الحضرية.
جاءت سنوات 2019 و2020 حافلة بترسيخ البعد الشبابي في عمل الجمعية، حيث تم إطلاق برنامج “السائق الواعي يبدأ من المدرسة”، الذي جمع بين عروض مباشرة وتمارين محاكاة لحوادث السير. كما كانت هذه الفترة انتقالية في الخطاب نحو وسائط التواصل الاجتماعي، إذ دشّنت الجمعية أولى حملاتها الرقمية المنظمة لمخاطبة فئة الشباب والمراهقين عبر رسائل قصيرة تحمل قصصاً واقعية عن ضحايا الطرق. وقد أثبت هذا التوجه فعاليته في تجديد صورة الجمعية وإعادة توجيه خطابها نحو الفئات الأكثر تعرّضاً للحوادث.
ابتداءً من سنة 2021 توسعت الشراكات المؤسّساتية للجمعية لتشمل الجامعات والمعاهد، مع تركيز على تكوين الطلبة في مجالات التواصل الوقائي والسلامة الطرقية. كما شاركت الجمعية في فعاليات وطنية نظمتها قطاعات الصحة والتربية والرياضة، ما منح عملها طابعاً بين قطاعي جعل رسالة الوقاية ركيزة مشتركة بين عدة مجالات. أما عام 2022 فقد كان مرحلة الانفتاح الإعلامي الأبرز، حيث ارتفعت استضافات السيد خالد غالي في القنوات الإذاعية والتلفزيونية، لتقديم قراءات شهرية لحصيلة حوادث المرور وتحليل أسبابها بتوجه علمي ومعلوماتي، في وقت كانت الجمعية تكثّف حضورها في مواسم الأعراس ورمضان والأعياد باعتبارها فترات ذات حساسية مرورية عالية.
مع دخول سنة 2023 عرفت الجمعية نقلة تنظيمية تمثلت في توسيع الفروع الولائية وتفعيل فرق عمل محلية قادرة على تنفيذ برامج في الميدان دون انتظار المركز الوطني. وقد رافق هذا التطور بروز مبادرات نوعية مثل “المشاة أولاً”، التي استهدفت إعادة الاعتبار لثقافة احترام الممرات الخاصة بهم، وتلتها حملة “دقيقة حياة” التي حوّلت حجم الخسائر الناجمة عن السرعة إلى أرقام صادمة ونشرها على شكل قصص إنسانية في الملتقيات والقنوات الرقمية. كما أطلقت الجمعية ورشات تكوينية للأطفال في الصيف بعنوان “أبطال الطريق الصغار”، لتكوين جيل واعٍ بحقوقه وواجباته على الطريق.
أما عام 2024 فقد شهد أعلى كثافة في المنشورات والنشاطات الميدانية منذ التأسيس، حيث أحصت الجمعية عشرات الخرْجات الميدانية في المدن الكبرى والصغيرة، وتم تنظيم ملتقيات وطنية متخصصة بالشراكة مع مديريات النقل والدوائر الأمنية والهلال الأحمر الجزائري. شكلت هذه الفترة تتويجاً لتراكم نوعي دام سنوات، إذ انتقلت الجمعية من جمعية توعوية إلى فاعل وطني في إدارة المعرفة المرورية. وقد صُمّمت حملات تستهدف السائقين الجدد المقبلين على رخص القيادة، كما أطلقت الجمعية مبادرة “تحيا الجزائر بلا دموع”، وهي حملة إعلامية واسعة ركزت على مفهوم الصدمة العاطفية للأسر التي تفقد أبناءها في الطرق، ونجحت في استعادة البعد الإنساني لقضية السلامة المرورية أمام الجماهير.
تستمر هذه الديناميكية خلال سنة 2025 بانتقال الجمعية إلى مرحلة التقييم والتحليل، مع تحضير تقارير سنوية توثق تطور السلوك المروري ومناطق الخطر في عدد من الولايات، في وقت تحضّر فيه الجمعية لإطلاق منصّة رقمية مخصّصة لتجميع البلاغات الشعبية عن النقاط السوداء في الطرق، وتجسيد مبدأ المشاركة المجتمعية في الوقاية. وعلى المستوى الميداني ما تزال الخرْجات مستمرة بوتيرة قوية في الأحياء والمؤسسات التعليمية والدوائر الحضرية، فيما يتواصل الحضور في وسائل الإعلام لشرح مستجدات حوادث المرور وتحليلها بعمق.
واستناداً إلى هذا المسار الطويل، يمكن القول إن الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق، بقيادة السيد خالد غالي، حققت انتقالاً تدريجياً من خطاب التوعية الكلاسيكي إلى مقاربة مجتمعية شاملة تدمج التثقيف، الشراكات، البيانات، والتواصل الميداني. لقد أصبح عملها مرجعاً في مسار طويل نحو ترسيخ ثقافة مرور مسؤولة، ويُنتظر أن يشهد عام 2026 نقلة أخرى مع إطلاق البرنامج الوطني للإسناد العلمي في الوقاية الطرقية، إذا تحققت الشراكات التقنية المخطط لها.
وفيما يلي الخط الزمني المتبع من طرف السيد غالي خالد
- الخط الزمني لتطور الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق
| المرحلة | الخصائص العامة | طبيعة التدخل | نقطة القوة الرئيسية |
| التأسيس | بناء الهوية والجذور وبداية العمل التطوعي | مبادرات ظرفية ورمزية مرتبطة بحملات موسمية | قاعدة متطوعين ثابتة وروح تنظيمية ناشئة |
| التموقع | توسيع شبكة العلاقات الولائية والمحلية | حملات عمومية وتنسيق مع المؤسسات والبلديات | الانتشار الجغرافي عبر ولايات عديدة |
| التأثير | التحوّل من التحذير إلى التربية المرورية | برامج تعليمية موجهة للمدارس والشباب | مقاربة سلوكية طويلة المدى في التوعية |
| الاستدامة (2024–2025) | دمج الوقاية ضمن الشراكات الرسمية | اتفاقيات، تكوينات، مخططات ثابتة | صناعة وعي مروري مستدام بدل المبادرات الظرفية |
- تطور الخطاب والرسالة المرورية للجمعية
| عنصر الرسالة | في بدايات الجمعية | في 2024–2025 |
| مفهوم الحادث المروري | قضاء وقدر، حادث لا يمكن تفاديه | نتيجة سلوك بشري يمكن تعديله |
| صورة السائق | فرد معزول يتحمل المسؤولية وحده | فاعل اجتماعي ضمن منظومة طريق وتفاعلات |
| لغة الخطاب | رمزية وتحذيرية تعتمد على الصدمة | تحليلية وتربوية تعتمد على التفسير والسلوك |
| الأدوات المستعملة | منشورات ومطويات ومناسبات | ورشات مدرسية، نوادٍ شبابية، إعلام رقمي وشراكات |
- هندسة الشراكات المؤسسية
| فئة الشريك | شكل التعاون | قيمة الإضافة |
| الهيئات العمومية | تنظيم الحملات، توفير الفضاءات والدعم اللوجستي | منح شرعية مؤسساتية وتقوية العمل الميداني |
| وسائل الإعلام | تغطية ومواكبة برامج الجمعية | تثبيت الخطاب الوقائي داخل النقاش العام |
| الجامعة | تكوينات، استقبال طلبة، بحوث ومشاريع | إنتاج معرفة مرورية وتطوير البيداغوجيا الوقائية |
| الشركات | رعاية ودعم مبادرات | تمويل مستدام للمشاريع طويلة المدى |
- فلسفة التدخل قبل 2024 وبعدها (ملخّص)
| البعد | قبل 2024 | بعد 2024 |
| طبيعة الوعي | ظرفي – موسمي | مستدام – مهيكل |
| مجال النشاط | حملات وتظاهرات | برامج وقائية سنوية |
| الفئة المستهدفة | عموم السائقين | المدارس – الشباب – العائلات – الإعلام |
| نوع الرسالة | تحذير وردع | تفسير وتربية وتكوين |
| أثر الشراكات | محدودة | مستدامة ومؤسسة |
- التحول الاستراتيجي في جملة واحدة
انتقلت الجمعية من “التنبيه الوقتي” إلى “صناعة الوعي المروري المستدام” عبر التربية والشراكة والتأثير طويل المدى… على أن تكون السنة الميلادية المقبلة 2026 سنة لتحقيق الأهداف المسطرة خاصة بعد الموافقة على القانون الجديد للمرور المقترح من قبل السيد غالي خالد.
أ.ب




