آخر الأخبارالرئيسيةوطنيايحدث اليوم
أخر الأخبار

الجزائر في قلب الحضارة

Spread the love

قراءة صحفية في ملتقى “الجزائر في الحضارة” ضمن الصالون الدولي للكتاب – الدورة الثامنة والعشرون، فندق الأوراسي، 4 نوفمبر 2025

من فندق الأوراسي المطلّ على خليج العاصمة، انطلقت صباح الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 فعالية أكاديمية احتفاءً بفكرةٍ لا تقلُّ طموحاً عن عنوانها: الجزائر في الحضارة. جاء الملتقى في إطار برنامج الصالون الدولي للكتاب بالجزائر في دورته الثامنة والعشرين، تحت شعار “الكتاب: مفترق ثقافات”، وبرعاية رسمية تؤكد أن السياسة الثقافية حين تُحسن الإصغاء إلى المعرفة تتحوّل إلى قوةٍ ناعمةٍ فاعلة. امتلأت القاعة بباحثين وطلبة وكتاب وصحافيين، وتجاورَت على المقاعد أسماء من جامعات جزائرية وعربية وأجنبية، ما منح الجلسات منذ لحظاتها الأولى مزيجاً محبّباً من الجِدّة والحميمية.

الجزائر في قلب الحضارة

لم يكن العنوان مجرد صياغة مُحْكَمة؛ كان رؤيةً تلخّص “إشكالية” واضحة: كيف نقرأ دور الجزائر في تاريخ الإنسانية، من القديس أوغسطينوس في عنابة، إلى رواد الإصلاح والفكر في العصر الحديث، مروراً بمآثر الطرق العلمية والزوايا والمدارس والرحلات والأسفار، وصولاً إلى الدفاع المستميت عن حق الشعوب في الكرامة والحرية؟ لقد وضع المنظمون فرضية بسيطة وعميقة معاً: الجزائر ليست هامشاً يطل على المتوسط والصحراء، بل مركزاً يتقاطع فيه الشمال والجنوب، الماضي والمستقبل، المحلية والكونية. على هذا الأساس بُني الملتقى، وبحوله تشابكت الأوراق والمداخلات.

افتُتحت الأشغال بالنشيد الوطني، ثم بكلمات ترحيبية مقتضبة ركّزت على معنى أن يستعيد الصالون الدولي للكتاب دوره كمنصّة للمعرفة والحوار، لا كمعرض بيع كتب فحسب. في التفاصيل التنظيمية برزت لجنةٌ علمية ضمّت أسماء أكاديمية معروفة، فيما تولّى الإشراف العام مفوض الصالون، في إشارة إلى أن الفعالية ليست عابرة بل جزء من هندسة ثقافية أوسع. وحدد البرنامج محورين ناظمين: “الجزائر أرض تفكير وإبداع وإشعاع ثقافي”، و“المحلية والكونية: قيم للتواصل والتفاهم”. وبينهما فُسحت مساحةٌ رحبة للاختلاف المنهجي وتعدّد اللغات، حيث تعاقبت مداخلات بالعربية والفرنسية والإنجليزية في سلاسةٍ لافتة.

الجزائر في قلب الحضارة

جاءت المحاضرة الافتتاحية لتؤسس لنبرة الملتقى: قراءةٌ في تجلّيات القيم الإنسانية الكونية داخل النصوص الجزائرية، وكيف تقترح هذه النصوص، شعراً وسرداً وفكراً، جسوراً بين المحلي والعالمي. تبدّت الفكرة في أمثلةٍ تاريخية وأخرى معاصرة: من رسائل العلماء المتبادلة عبر البحر، إلى مرايا التصوّف الجزائري الذي أسهم في بناء أخلاق الحوار، وصولاً إلى الذاكرة التحررية التي صاغت خطاباً إنسانياً متجاوزاً للحدود.

في الجلسة الأولى، بدا المسار الفلسفي واضحاً. تناول أحد المتدخلين الفلسفة في الحضارة النوميدية، مُبرزاً أن التفكير العقلاني ليس وافداً على هذه الأرض، بل متجذرٌ فيها منذ عصورٍ سحيقة، وأن نخبتها انخرطت عبر القرون في نقاشٍ كوني حول ماهية الخير والعدالة والجمال. ومن هنا جاءت دعوته إلى إعادة قراءة ما قبل الاستعمار لا بوصفه “مرحلة صامتة”، بل باعتباره خزاناً دلالياً يمكن أن يمدّ الحاضر بأسئلةٍ تأسيسية.

مقابل ذلك، قدم باحث آخر من الولايات المتحدة ورقةً عن المقاومات ضد الاستعمار وانعكاساتها الأدبية. استعاد سيرة شخصيات وأحداث، وأظهر كيف تحوّلت المقاومة، في الجزائر وفي جوارها، إلى مادة تخييلية أثّرت في الرواية والشعر والمذكرات والصحافة، بل في نظرية الأدب ذاتها. الفكرة المركزية في تلك الورقة أن الأدب ليس مرآةً للحدث فحسب، بل شريكٌ في صناعة الوعي التاريخي، وأنه حين يستوعب الألم والقهر يعيد صياغتهما جمالياً ليدفع بالمعنى إلى ما بعد حدود الدعاية والانفعال.

واصلت الجلسة مراكمة الرؤى مع باحث بريطاني قرأ “الفضاء والزمن في كتابة تاريخ الجزائر”، مُراهنًا على أن مشكلة كثير من السرديات التاريخية تكمن في ضيق عدستها المكانية والزمانية. دعا إلى تصورٍ يدمج “الجزائر-المجال” في علاقته الدائمة بالمغرب الكبير والمتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء، وإلى وعيٍ بزمنٍ طويل المدى لا تقطعه اللحظات السياسية الساخنة. وفي مقاربةٍ قريبة، قدّم باحث جزائري تشريحاً ناقداً لتمثلات الجزائر في الكتابات التاريخية الأنغلوسكسونية، مبيناً ما فيها من عمىً إبستمولوجي حين تستنسخ زوايا استعمارية أو تنظر إلى البلاد باعتبارها هامشاً لباريس ولندن. وقدّم، بالمقابل، نماذج دراسات جديدة تعيد الاعتبار للمصادر العربية والأمازيغية والأرشيف الشفهي.

الجزائر في قلب الحضارة

بعد استراحة قصيرة، انتقلت الفعالية إلى الجلسة الثانية التي اتخذت من إفريقيا رافعةً رئيسيةً في النقاش. قدّم باحث نيجيري ورقةً عن الحضور الثقافي للجزائر في بلدان غرب إفريقيا، عارضاً مسارات التبادل عبر التجارة والطرق القديمة، وعبر الجامعات والبعثات الثقافية المعاصرة. بيَّن كيف تمكّنت الجزائر، بفضل سياساتها الثقافية ورصيدها المعرفي، من الصعود كفاعلٍ مؤثر في الإقليم، وكيف يمكن تعميق هذا الحضور عبر الترجمة، وتوأمة الجامعات، وبرامجٍ مُستدامة للتكوين والبحث.

وتجلّت روح الجزائر الروحية في مداخلة باحثٍ جزائري استعاد فيها سيرة الأمير عبد القادر وقيمه. لم يكن الحديث تكراراً للسرد القوميّ المألوف، بل قراءةً لِما يسميه “الإنسانية الجزائرية” بوصفها رصيداً أخلاقياً يمكن تحديثه. توقّف عند تجربة الأمير في المصالحة بين مقتضى الجهاد ضد الاحتلال وبين المبادئ الكونية للعدالة والرحمة، وكيف شكّلت رسائله ومواقفه نموذجاً قابلاً للاستلهام في زمننا، من خطاب حقوق الإنسان إلى أخلاق العيش المشترك.

وأكمل أستاذ من جامعة باتنة مشهداً فلسفياً مُحدّثاً عبر ورقةٍ عن النزعة الإنسانية في الفكر الجزائري المعاصر، مستحضراً مشاريع فكرية لعدة مفكرين وإسهامها في ترويض حدّية الاستقطاب الإيديولوجي. كانت أطروحته أن “الإنسان الجزائري” ليس مفهوماً رومانسياً بل مشروعاً معرفياً يزاوج بين نقد الاستبداد ونقد الانغلاق، ويعطي أولوية لأخلاق الحوار والاعتراف.

لافتٌ في الملتقى أن تنوّع اللغات لم يكن عائقاً، بل عامل ثراء. في القاعة، كان الانتقال سلساً بين عربيةٍ تستعيد ذخيرة البلاغة، وفرنسيةٍ تُمسك بأدوات التحليل التاريخي والنقدي، وإنجليزيةٍ تفتح النافذة على مدارس بحث عالمية. هذا التنوع اللغوي يقول الكثير عن هوية الجزائر الثقافية اليوم: بلدٌ يكتب نفسه بأكثر من قلم، ويصنع جسوره لا على قاعدة “إما/أو” بل على قاعدة “و…و”.

المشاركون لم يكتفوا بالتشخيص. من قلب النقاشات خرجت ملامح أجندة عملية: أرشفة رقمية مفتوحة لمخطوطات ومراسلات وذاكرة شفوية؛ سلسلة ترجمات متبادلة بين العربية والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، تُعنى بمتون الفلسفة والتاريخ والدراسات الإفريقية؛ إنشاء شبكة بحثية دائمة بين الجزائر وجامعات غرب إفريقيا؛ وتوسيع شراكات الصالون الدولي للكتاب ليصبح منصّة تلاقي سنوية بين الباحثين ودور النشر ومؤسسات الأرشيف. وفوق ذلك، كانت هناك دعوة هادئة لكن ملحّة إلى ردّ الاعتبار للبحث الميداني في الجنوب الكبير، وإلى التفكير في الصحراء لا بوصفها هامشاً جغرافياً، بل باعتبارها قلباً نابضاً لتاريخ تواصلٍ عابرٍ للحدود.

الترجمة حضرت باعتبارها صناعة سيادية. فبدونها، كما شدد أكثر من متدخل، يظلّ خطابنا أسير فراغاتٍ ووسائط الآخرين. لذلك دعت توصيات الجلسات إلى برنامج وطني للترجمة من وإلى لغات إفريقيا، وإلى حفز القطاع الخاص على الاستثمار في هذا المجال، وربط الترجمة ببرامج تدريبٍ جامعي طويلة النفس. وتكرر التأكيد على أن “صناعة المعنى” لا تقوم في الفراغ: تحتاج مؤسساتٍ وموازناتٍ ومؤشرات قياس، مثل عدد المخطوطات المفهرسة سنوياً، وعدد الأطروحات المشتركة، وساعات التبادل الأكاديمي بين الجامعات.

في مستوى آخر، بدا واضحاً أن فكرة “المحلية والكونية” لم تكن شعاراً. حين نُعيد قراءة الجزائر من داخلها، بأعماقها الأمازيغية والعربية والصحراوية والمتوسطية، سنجد أن الكونية ليست نقيضاً للهوية بل امتداداً لها. هذا ما برهنت عليه أوراقٌ استعادةً لجدالات فكرية قديمة وحديثة، من مدارس التصوف والإصلاح الديني، إلى المقاربات الأنثروبولوجية التي تدرس الأعراف والطقوس بوصفها أدوات تنظيم للعيش المشترك. في هذا السياق، قدَّم بعض الباحثين مقترحاتٍ لتدعيم حضور الجزائر في الدبلوماسية الثقافية: معارض متنقلة للكتاب الجزائري في عواصم إفريقية، أسابيع ثقافية متبادلة، دعم مسارات إنتاج الأفلام الوثائقية التاريخية، وتثمين التعاون بين الجامعات والمراكز الثقافية والسفارات.

لم يغب سؤال الذاكرة عن أي نقاش. فالجزائر التي خاضت حرب تحريرٍ كبرى وتحمّلت كلفة الاستعمار، ما تزال مدعوة إلى تحويل الذاكرة من حقلٍ للصراع إلى حقلٍ للتعلم. في هذا المعنى، جاءت الإشارة إلى ضرورة إدماج تعليم تاريخ الجزائر الحديث ضمن إطارٍ مقارنٍ مع تجارب دولٍ أخرى عرفت الاستعمار والتحرر، بما يساعد الأجيال الجديدة على فهم تاريخها في العالم، لا خارج العالم. وتوازى هذا مع دعوةٍ إلى أبحاثٍ جديدة حول رموز الإصلاح والنهضة والفكر، من رواد القرن التاسع عشر إلى المعاصرين، بوصفهم جسوراً بين القيم الروحية ومقتضيات الحداثة.

على مستوى المشهد العام، غادر الحضور القاعة بانطباعٍ مشترك: أن الصالون الدولي للكتاب لم يعد حدثاً موسمياً فقط، بل يتحول تدريجاً إلى مختبرٍ للأفكار. فحين تُصاغ جلسات بحرفيةٍ علمية وتُدار في أجواءٍ من الاحترام والتقاطعات المنهجية، يصبح الملتقى أكثر من مجموع أوراقه: يصبح وعداً بمسارٍ طويل يعيد الجزائر إلى مقعدها الطبيعي في محافل التفكير الإنساني.

ولعل أجمل ما في اليوم كله ذلك التلاقي بين الكتاب والجامعة والمجتمع. في الممرات، تشاهد ناشرين يسألون باحثين عن عناوين تستحق النشر، وطلاباً يلتقطون ملاحظاتٍ من أساتذةٍ غيّر لهم اللقاء طريقة النظر إلى موضوعاتهم، وصحافيين يطاردون أفكاراً لملفاتٍ جديدة. وهذا، بانسيابٍ طبيعي، ما يعنيه شعار الصالون: مفترق ثقافات. فالثقافة ليست نصاً جامداً، بل حركة عبورٍ دائم، من لغةٍ إلى لغة، ومن حقلٍ معرفي إلى آخر.

خرج الملتقى من قاعة الأوراسي بتوصياتٍ قابلة للقياس والتنفيذ، لكن قيمته الأولى أنه أعاد طرح السؤال الكبير بوضوحٍ وبهدوء: كيف نكتب الجزائر في العالم، وكيف نكتب العالم في الجزائر؟ الجواب لا يُختزل في مداخلةٍ أو يومٍ علمي واحد؛ إنه مسار يحتاج إلى شراكاتٍ ومثابرة ومؤسسات. إلا أن ما تحقق في هذا اليوم يُعطي سبباً وجيهاً للتفاؤل: لدينا رصيدٌ معرفي وروحي وتاريخي، ولدينا منصّةٌ وطنية اسمها الصالون الدولي للكتاب تستعيد دورها الطبيعي، ولدينا جيلٌ جديد من الباحثين والكاتبين يتقن لغاتٍ عدة ويؤمن بأن الحوار هو الطريق الأقصر إلى المستقبل.

بهذا المعنى، لم يكن “الجزائر في الحضارة” فعاليةً احتفالية فحسب، بل فعل قراءةٍ في مرآة كبرى: مرآة الذات والعالم. وقد بدت الصورة، على تعدّد زواياها، مُقنعة: بلدٌ يتذكّر ويبتكر في آنٍ واحد، يفاوض ذاكرته بلا عقدة، ويتقدّم بثقة نحو أفقٍ إفريقي ومتوسطي وعالمي، حيثُ لا تُقاس الأمم بما تملك من الثروات المادية فقط، بل بما تمنحه للإنسانية من معنى.

د.أنيسة براهنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى