
بقلم : د. أنيسة براهنة
الجزائر – فندق “ليغاسي” بحيدرة, شهد اليوم الدراسي الذي نظمه المعهد الوطني للصحة العمومية بفندق “ليغاسي” (Legacy) بحيدرة، زخماً علمياً استثنائياً، تميز بحضور وازن لفعاليات المجتمع المدني، وعلى رأسهم الحضور المتميز للسيد غالي خالد، رئيس الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق، الذي أضفى تواجده صبغة تكاملية بين مختلف مجالات الوقاية الوطنية، سواء كانت صحية أو سلوكية.
البروفيسور سمير أويش: نحو طب إنساني متمحور حول المريض.
قدم البروفيسور سمير أويش (Samir Aouiche)، من مصلحة الغدد الصماء والسكري بمستشفى مصطفى باشا الجامعي، عرضاً أكاديمياً وميدانياً عالي المستوى، تناول فيه “الوقاية والتربية العلاجية في الوسط الجمعوي”.
البروفيسور أويش انطلق من فلسفة أن التربية العلاجية هي “طب إنساني” بامتياز، يهدف إلى نقل القوة والسيطرة للمريض ليكون شريكاً حقيقياً في رحلة علاجه، وليس مجرد متلقٍ سلبي للأوامر الطبية. وأوضح البروفيسور في عرضه، مستنداً إلى أحدث النماذج السيكولوجية مثل “مراحل التغيير” لبروشاسكا (Prochaska)، أن التحدي الأكبر لا يكمن في توفير الدواء فحسب، بل في مواجهة “العطالة العيادية” (Inertie Clinique) وتغيير السلوكات المتجذرة. كما ركز على أهمية “المقابلة التحفيزية” (Entretien Motivationnel) التي تعتمد على التعاطف والإنصات النشط، وتجنب “رد الفعل التصحيحي” الذي قد ينفر المريض.
إحصائيات مقلقة ودور محوري للجمعيات.
استعرض البروفيسور أويش أرقاماً وُصفت بالإنذارية، حيث كشفت خرائط “أطلس الفيدرالية الدولية للسكري 2025” أن نسبة انتشار الداء في الجزائر وصلت إلى 16.9% في عام 2024، مع وجود 4.8 مليون مصاب، وهي النسبة الأعلى في منطقة المغرب العربي. أمام هذا الواقع، أكد البروفيسور أويش أن الجمعيات الوطنية هي “الفاعل المفتاح” والجسر الرابط بين المستشفى والحياة اليومية للمريض. فالدور الجمعوي يتجاوز الدعم المادي إلى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، ومكافحة العزلة، وضمان “التحالف العلاجي” المستمر. واعتبر أن التربية العلاجية أكثر كفاءة من أي ابتكار تكنولوجي قادم، لأنها تعالج “الإنسان” وليس “المرض” فقط.
من الأمن الصحي إلى الأمن المروري.
وقد ثمن المشاركون في اللقاء الروابط التي جسدتها مداخلة السيد غالي خالد، رئيس الجمعية الوطنية للوقاية والأمن عبر الطرق، حيث برز تقاطع واضح في الاستراتيجيات؛ فكما تسعى التربية العلاجية لتعديل سلوك المريض لحماية حياته، تسعى منظمات الأمن المروري لتعديل سلوك السائق لحماية المجتمع.
وخلص عرض البروفيسور أويش إلى أن نجاح الاستجابة المجتمعية للمخاطر الصحية الكبرى مرهون بمدى إشراك الجمعيات الوطنية في برامج التربية العلاجية، وتكوين الممارسين الصحيين على مهارات التواصل والمنظور البيو-نفسي-اجتماعي، وهي الرؤية التي تبناها المعهد الوطني للصحة العمومية كخيار استراتيجي للمستقبل.




